كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 82 """"""
وعبد الرحمن وحبسوا في برج فتردد إليه بعض الناس فاتصل ذلك بقاضي القضاة زين
الدين فأمر بالتضييق عليه ، فنقل إلى الجب في ليلة عيد الفطر وكتب مثال شريف
سلطاني وسير إلى دمشق في أمر تقي الدين والحنابلة ونسخته .
) بسم الله الرحمن الرحيم ( الحمد لله الذي تنزه عن التشبيه والتنظير ،
وتعالى عن المثيل فقال عز وجل : ) ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (
[ الشورى : الآية 11 ] نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب ، ورفع في أيامنا
أسباب الشك والارتياب ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من
يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير وينزه خالقه عن التحييز في جهة لقوله عز وجل :
) وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ( [ الحديد : الآية 4 ] ونشهد أن محمدا عبده
ورسوله ، الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته ، وأمر بالتفكر في آلاء الله ،
ونهى عن التفكر في ذاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان
وارتفع وشيد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع ، وأخمد بهم كلمة من حاد
عن الحق ومال إلى البدع ، وبعد : فإن العقيدة الشرعية وقواعد الإسلام المرعية
وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية هي الأساس الذي يبنى عليه ، والموئل
الذي يرجع كل أحد إليه ، والطريق الذي من سلكها فقد فاز فوزا عظيما ومن زاغ
عنها فقد استوجب عذابا أليما فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ، ويؤكد دوامها وتصان
عقائد هذه الأمة عن الاختلاف وتزان قواعد الأمة بالائتلاف وتغمد بواتر البدع ويفرق
من فرقها ما اجتمع ، وكان التقي ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه ومد
عنان كلمه وتحدث في مسائل الذات والصفات ونص في كلامه على أمور منكرات
وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون وفاه بما تجنبه السلف الصالحون وأتى في
ذلك بما أنكره أئمة الإسلام واتفق على خلافه إجماع العلماء والحكام وشهر من
فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام وخالف في ذلك علماء عصره وفقهاء
شامه ومصره وبعث رسائله إلى كل مكان وسمى فتاويه أسماء ما أنزل الله بها من
سلطان .
ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه مريدوه من هذه المسائل وأظهروه من هذه
الأحوال وأشاعوه وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في
حق الله بالحرف والصوت والتجسيم قمنا في الله تعالى مشفقين من هذا النبأ العظيم
وأنكرنا هذه البدعة وأنفنا أن يشيع عمن تضمه ممالكنا هذه السمعة وكرهنا ما فاه به
المبطلون وتلونا قوله : ) سبحان الله عما يصفون ( [ المؤمنون : الآية 91 ] فإنه جل