كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 92 """"""
وفي ذي الحجة توفي الأمير سيف الدين بلبان الجوكان دار المنصوري
نائب السلطنة بحمص رحمه الله تعالى وهو من المماليك السلطانية في زمن إمرة
السلطان الملك المنصور ، وكان رجلا جيدا أمينا ثقة ما رأيت في أبناء جنسه ممن
اختبرته في الأمانة والعفة مثله ، رافقته مدة في ديوان الخاص بدمشق واطلعت منه على
أمانة غزيرة ، ونزاهة وافرة ومعرفة تامة وكان يوم ذاك ينوب عن السلطنة بقلعة دمشق
وفوض إليه السلطان شد ديوان أملاكه بالشام ، وكتبت يومئذ مباشرها ، وذلك في
شوال سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن نقل إلى نيابة السلطنة بحمص فاطلعت من أمانته
ونزاهته ومعرفته على ما أشرت إليه ، وكان قد اشتهر عنه في مباشرة شد الدواوين عدم
المعرفة والغفلة والبلادة ، فلما رافقته ظهر لي منه معرفة تامة ، وخبرة واطلاع ينافي ما
كان قد اشتهر عنه ، فسايرته يوما وانفردت بمسايرته ، وجرى بنا الحديث فسألته عن
ذلك ، وعرفته ما ظهر لي منه وما كان قد اشتهر عنه ، فتبسم وقال : والله ما لمح أحد
من أمري ما لمحته ، وما سألني أحد عنه قبلك ، وأنا أخبرك عن ذلك ، وهو أنني والله
ما وليت للسلطان ولاية قط وأنا راض بها ، وشرع يذكر لي ولايته وتنقلاته من الجندية
وما بعدها ، ثم قال : ولما نقلت من نيابة قلعة صفد إلى دمشق ووليت شاد الدواوين
وأستاد دارية كرهت ذلك أشد كراهة واستعفيت منه فلم أعف ، والله كان إذا أحضرت
إليّ النفقة المقررة لي على بيت المال عن وظيفة الشد . وهي في كل يوم خمسة
وسبعون درهما - ووضعت بين يدي يخيل لي أنها عقارب تلدغني ولقد والله كنت
أعرض على نفسي أنواع البلاء والعاهات ، وولاية الشد فيسهل علي أن أبتلي ببعض
العاهات ولا أكون مشدا ، إلا العمى فإني كنت أستصعبه وأختار الشد عليه ، وأما لو
خيرت أن يبطل إحدى يدي أو رجلي أو عيني تزول إحداهما وأبصر بالأخرى وأعفى
من الشد لاخترت ذلك ، ورضيته على الشد فقصدت إظهار عدم المعرفة والتغافل عن
المهمات والمصالح حتى شاع ذلك عني واتصل بأبواب السلطنة ورجوت بذلك
الخلاص من وظيفة الشد ، فلم يجد ذلك لي نفعا ولا عزلت ، ففكرت بعض الليالي
في أمر أفعله يكون سبب خلاصي ، فألهمني الله تعالى أنه لا يخلصني من الشد إلا أن
أردهم عن المظالم ، وألا أوافق على فعلها ، واتفق في غضون ذلك أن القاضي شرف
الدين بن مزهر ناظر الدواوين حضر إليّ وقد عين أسماء جماعة من الولاة

الصفحة 92