كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)
"""""" صفحة رقم 93 """"""
والمباشرين بالأعمال البرانية أن يستخرج منهم مبلغ ثمانين ألف درهم لبيت المال ،
فلم أوافقه على ذلك ، ورددته عنه ، وقبحت عليه فعله ، ففارقني واجتمع بنائب
السلطنة الأمير جمال الدين ، وشكا إليه ذلك ، وكتب تذكرة ، وعلم نائب السلطنة
عليها وسلمها إليّ في المجلس وقال لي استخرج مبلغها من هؤلاء . فقلت والله لا
أفعل هذا أبدا ولا أوافق عليه ، وإنما أنا أطلب هؤلاء الذين عينوا في هذه التذكرة ،
ويحاققهم هذا الناظر وجماعة المستوفيين ، فمن ظهرت خيانته استعدت منه ما التمسه ،
وأدبته أدبا شافيا ، ومن ظهرت أمانته خلعت عليه وأحسنت إليه وأعدته إلى جهته ، أو
نقلته إلى أجود منها ، وأما خلاف هذا فلا أفعل . فطالع شرف الدين بن مزهر الأبواب
السلطانية بذلك ، فوصلت تذكرة سلطانية من الديار المصرية باستخراج المال المذكور
عن ممن عيّن ، ووصل إلى قرينها كتاب السلطان باعتماد ما تضمنه ، واستخراج المال
وحمله ، فامتنعت من ذلك وصممت على أن لا أتحدث فيه أبدا ولا أوافق عليه إلا
بعد المحاققة . فلما علموا مني معارضتهم ودفعهم عما يقصدونه من المظالم صرفت
من الشد ، وأفادني هذا الرأي . فلما وليت ديوان الخاص هذا . وهو أملاك ومواريث
شرع ليس فيه مظلمة ولا مكس انبعثت لمباشرته ، وطابت نفسي بالحديث فيه ،
وأظهرت ما أعرفه فهذا هو السبب . واستكتمني رحمه الله تعالى ذلك ، فكتمته مدة
حياته ، ثم ذكرته بعد وفاته . وكان رحمه الله حسن الرفقة لا ينفرد برأي ، ولا يستقل
بأمر قبل أن يعرضه على رفقته ، ولقد كانت تأتيه كتب السلطان له فيما يتعلق بديوان
الخاص فلا يفتحها حتى أحضر ويخرجها إليّ مختومة فأقرأها عليه - وكان يحسن
القراءة - ثم اتفق معه على الجواب عنها وأكتبه عنه ويكتب عليه ، وكان يخصني بذلك
دون بقية الرفقة - هذا إذا كانت بدمشق - وأما إن توجهت لكشف جهة أو قسمتها فإنه
يكتب الجواب إلى من يراه ولما مات ولي بعد وفاته نيابة السلطنة بحمص الأمير
سيف الدين بكتمر الساقي المنصوري وتوجه إليه في المحرم سنة سبع وسبعمائة
واستهلت سنة سبع وسبعمائة .
ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الناصر والأمراء
في هذه السنة في أول المحرم ظهرت الوحشة بين السلطان والأمير سيف الدين
سلار ، والأمير ركن الدين بيبرس ، وكان السلطان قد امتنع من العلامة أياما ، وظن
الناس أن ذلك لمرض اعتراه ثم عبرا له في ثالث الشهر فتنكر لهما وسبهما ،