كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 32)

"""""" صفحة رقم 97 """"""
القاضي شمس الدين محمد بن عدلان الشافعي أحد المفتيين بالقاهرة ، وشمس الدين
سنقر السعيدي أحد مقدمي الحلقة المنصورة ، فتوجها وحملا مشافهة إليه ، وتأخر
تجهيز العسكر .
وفيها نزل الأمير سيف الدين كراي المنصوري عن إقطاعه بالديار المصرية ،
وكان إقطاع إمرة مائة فارس ، وذلك أنه توجه للصعيد لكشف إقطاعه ، وانتهى إلى
مدينة إسنا من الأعمال القوصية - وهي من جملة إقطاعه وتجهز منها ، وحمل ما
يحتاج إليه من الروايا والقرب وغير ذلك ، وتوجه هو ومن معه في البرية لقصد بلاد
التاكة فوردت مطالعة متولي الأعمال القوصية بذلك ، فقطع خبره ، وأنعم به على
الأمير سيف الدين بتخاص ، وكان إخراج الإقطاع هو غرض الأمير سيف الدين
كراي ، ثم رجع إلى الأبواب السلطانية بعد أن أوغل في البرية ، وسأل الإعفاء من
الإمرة والخدمة ، وأن يتوجه إلى القدس الشريف ويقيم هناك - وما علم موجب ذلك -
فأذن له فتوجه بحريمه ومماليكه وأقام بالقدس .
وفيها اهتم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار بعمارة دار الوزارة
خانقاه ورباطا وتربة لدفنه - اهتماما عظيما ، فعمر ذلك عمارة متقنة وحصّل الرخام من
كل جهة ، ودله الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير
سلاح . على أن يظاهر دورهم بالقصر فساقي من الرخام الأبيض مدفونة تحت الردم ،
وأخرج منه فسقيتان من الرخام على غاية الكبر والحسن وإتقان الصنعة ، وكل منهما
قطعة واحدة ، وهي طويلة عميقة متسعة الجوف والوسط ، ثم تنخرط من طرفها إلى
أن ترق فيكون طرفها كالمجراة ، فأخرجتا وعمل لإخراجهما آلات معينة على ذلك ،
وحصل التعب في جرهما ، ثم نشرتا ألواحا وفرش بهما أرض المكان ووقف الأمير
ركن الدين على هذا المكان أوقافا متوفرة جليلة المقدار ، وعيّن في هذا الوقف عدة
كثيرة من الفقراء الصوفية ، والجند البطالين وغيرهم ، ورتب أن يكون بالمكان شيخين
أحدهما بالخانقاه والآخر بالرباط وأئمة ومؤذنين ومقرئين وغير ذلك ، وكملت عمارتها
والأوقاف عليها في سلطنته ، وخلع ومات قبل فتحها ؛ فأغلقت مدة ثم أمر السلطان
الملك الناصر بفتحها ففتحت ، ورتب فيها جماعة من الصوفية وغيرهم بالخانقاه
والرباط ، وأما القبة التي بها المدفن فإنها مغلقة على ما هي عليه لم تفتح إلى أواخر

الصفحة 97