كتاب الأضداد لابن الأنباري

مِنْ هاهنا تبعيضاً إذْ دخلت على ما لا يتبعَّض، والعرب تقول: قطعت من الثوب قميصاً، وهم لا
يَنْوُون أَن القميص قُطِع من بعض الثوب دون بعض؛ إنما يَدُلُّون ب مِنْ على التجنيس، كقوله عزَ وجلّ: فاجْتَنِبوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوثان معناه: فاجتنبوا الأَوثان الَّتي هي رجس، واجتنبوا الرجس من جنس الأَوثان؛ إذْ كان يكون من هذا الجنس ومن غيره من الأَجناس.
وقال الله عزَ وجلّ: ونُنَزِّلُ من القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ، فمِنْ، لَيْسَتْ هاهنا تبعيضاً؛ لأَنَّه لا يكون بعض القرآن شفاء وبعضه غيرَ شفاء، فمِنْ تحتمل تأويلين:
أَحدهما التجنيس، أَي نُنَزِّل الشفاء من جهة القرآن، والتأويل الآخر أَن تكون من مزيدة للتوكيد، كقوله: قُلْ للمُؤْمِنين يَغُضُّوا من أَبْصارِهِمْ، وهو يريد يغُضُّوا أَبصارهم، وكقول ذي الرُّمَّة:
إِذا ما امْرُؤٌ حاوَلْنَ أَنْ يَقْتَتِلْنَه ... بلا إحْنةٍ بين النُّفوس ولا ذَحْلِ
تبسَّمْن عن نَوْر الأَقاحيِّ في الثرى ... وفَتَّرْن من أَبصارِ مَضْروجَةٍ نجْلِ

الصفحة 253

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text