كتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار

وعن أبي مجلز (¬1): إنما حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مثل القرآن ينسخ بعضه بعضًا (¬2). وهو صريح في قوله (كنت نهيتكم) (¬3) وهي تلو (¬4) الكتاب، فيجوز فيها ما يجوز فيه.
وللسيد تكليف عبده بما شاء، كيف شاء، متى شاء، إلى أى وقت شاء، وليس عليه رعاية مصلحته، ولا يستحق الثواب على طاعته، ويستحق العقاب على عصيانه. لا يسأل - أى لا يسأل أحد خالقه عن جهة تصرفاته فيه لأنه مالكه، ويسأل السيد عبده عن أمره ونهيه لأنه مملوكه (¬5).
* * *

السادس (¬6): في حكمته:
وٍ هي الدلالة على كمال علم الله تعالى، ومنه تكليف عبادة على مقتضى حكمته وإظهارًا لتمام قدرته، بتصرفه في عبيدة، واختبارًا لما استمرت عليه طباعهم (¬7)، وإليه
¬__________
= حبرون بن واقد: متكلم فيه، وذكر الحديث من طريقه. وانظر: الاعتبار ص 24. لكن أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الحيض 1/ 269 رقم الحديث (344) عن أبي العلاء بن الشخير قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينسخ حديثه بعضه بعضًا، كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا، وقد ذكر عقب حديث الماء من الماء - الآتي برقم 43 - قال النووي في شرح مسلم 4/ 37: مراد مسلم برواية هذا الكلام أن حديث الماء من الماء منسوخ.
(¬1) أبو مجلز: هو لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري مشهور بكنيته، ثِقَة من كبار التابعين، مات سنة ست، وقيل: سبع ومائة، روى عن جندب وابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- ولم يسمع من حذيفة رضي الله عنه.
انظر: تقريب التهذيب ص 372، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 420.
(¬2) انظر الاعتبار ص 25، ساقه الحازمي من طريق عبد الرَّزّاق وهو موقوف على أبي مجلز، فهو حديث مقطوع.
(¬3) انظر تخريج هذا الحديث برقم (229) ص 324 - 325 من هذا الكتاب.
(¬4) من حيث الاحتجاج بها والتشريع فيجوز منها ما يجوز في القرآن من نسخ بعض الأحكام الثابتة بالسنة.
(¬5) هذا دليل عقلي ساقه المصنف على جواز النسخ.
(¬6) أى الفصل السادس من فصول مقدمة المؤلف.
(¬7) تقدم أن ذكرت في المقدمة ص 83 بيان وإظهار حكمة التشريع في الناسخ والمنسوخ. وقد قال بعض العلماء: إن معرفة الحكم تريح النفس وتزيل اللبس وتعصم من الوسوسة والدس. وقد ذكر المؤلفون في النسخ حكمًا كثيرة وأسرارًا عظيمة، لذلك ذكرت منها أشياء في المقدمة وفيه الكفاية، وراجع في هذا التفسير الكبير للفخر الرَّازيّ 3/ 227، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص 98، وأدب القاضي للماوردي 1/ 335، وشرح الكوكب المنير 3/ 536، وأصول الفقه لعبد الوهَّاب خلاف ص 222، ومناهل العرفان 2/ 90، ونظرية النسخ في الشرائع السماوية ص 24 - 25، والإتقان في علوم القرآن 1/ 97 والعدة لأبي يعلي بن الفراء 3/ 772 - 777، والابهاج للسبكي 2/ 249 - 251، والمدخل إلى مذهب الإمام أَحْمد بن حنبل لابن بدران ص 97.

الصفحة 134