كتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار

75 - أبنا أبو داود عن عمار- رضي الله عنه- قال: عرس (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الجيش (¬2) فأصبحوا على غير ماء لعقد (¬3) عائشة- رضي الله عنها- فنزلت رخصة التيمم، فقام المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئًا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الإبط (¬4).
وهذا يدل على أن غايته إلى الكتفين، وحديث عمار المتقدم يدل على أنه إلى الكفين، وحديث ابن عمر يدل على أنه إلى المرفقين. وهو محكم ناسخ للكف والكتف، لأنه متأخر موافق للأصل (¬5)، وإذا ضممت الطرفين تركب منها أربعة مذاهب، ضربتان للوجه وإلى المرفقين، مذهب ابن عمر وابنه سالم والشعبي والحسن وأبي حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأكثر الحجازيين. ضربتان إلى الرسغين، مذهب علي- رضي الله عنه-. ضربة للوجه والكفين، مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق وداود والقديم وأكثر المحدثين. ضربة للوجه وإلى الكتفين، مذهب الزهري (¬6).
¬__________
(¬1) عرس بالشيء- بكسر الراء- لزمه. وعرس بالتثقيل: إذا نزل المسافر ليستريح نزله ثم يرتحل. وعرس القوم في المنزل إذا نزلوا أي وقت كان من ليل أو نهار. المصباح المنير ص 401 (عرس). وقال: استعمال عرس.- بالتقثيل- على معنى الدخول بالمرأة خطأ.
(¬2) ذات الجيش: هي من رواية حديث عائشة، أما رواية عمار: أولات الجيش. وهي موضع بين مكة والمدينة على بريد من المدينة بينهما وبين العقيق سبعة أميال.
(¬3) العقد- بالكسر-: القلادة، والجمع عقود بوزن حمل وحمول. المصباح المنير ص 421 (عقد).
(¬4) أخرجه أبو داود في السنن 1/ 225 - 226 رقم 320 بلفظه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار، وقال عقبة: وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه عن ابن عباس وشك فيه ابن عينة فقال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، ومرة عن عبيد الله عن ابن عباس فاضطرب فيه وفي سماعه من الزهري. وذكر رواية مالك المتقدمة. انظر: نصب الراية 1/ 155 - 156، قول أبي داود. والاعتبار ص 60 ذكر نحوه. والحديث أخرجه النسائي في السنن الصغرى 1/ 167 من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس. وأحمد في المسند 4/ 264. والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 208 - 209، وابن الجارود في المنتقى ص 49 - 50 رقم 121 والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 111، وساقه الحازمي في الاعتبار ص 60 وقال عقبة: هذا حديث حسن. وحسنه الحافظ ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية 1/ 68.
(¬5) يعني به الوضوء لأن التيمم بدل عنه، والأصل غسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين. وقد ذكر نحو هذا التوجيه الشافعي في مختصر المزني 1/ 28، والخطابي في معالم السنن 1/ 230، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 211، والنووي في المجموع 1/ 214 - 215.
(¬6) راجع مذاهب العلماء في: شرح معاني الآثار للطحاوي 1/ 111 والسنن الكبرى للبيهقي 1/ 211، وشرح السنة للبغوي 2/ 113 - 114، ومعالم السنن للخطابي 1/ 230، والاعتبار للحازمي ص 60 - 61، وفتح الباري 1/ 444، 457، والتلخيص الحبير 1/ 151 والمجموع للنووي 1/ 214 - 215.

الصفحة 223