كتاب رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار

قال الشافعي - رضي الله عنه - المشيئة لله وحده ومشيئة العبد لا تكون إلَّا بعد مشيئة الله تعالى لقوله عزَّ وجلَّ (¬1): {وما تشاؤون إِلَّا أن يشاء الله} (¬2) وحاصله أنهم كانوا يجمعون بين الإِرادتين بحرف يجمع بلا ترتيب، وأقرهم عليه فدل على جوازه ثم نهاهم عن التشريك إلى الترتيب المتراخى بثم فنسخ الثاني الأول ثم نسخ الترتيب بإفراده تعالى بها أصالة على ما استدلَّ به الشافعي - رضي الله عنه - (¬3).
624 - أما قوله - صلى الله عليه وسلم - للوافد لما قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما (¬4)، فقد غوى (¬5) بئس الخطيب أنت (¬6).
¬__________
(¬1) قول الشافعي ذكره الحازمي بإسناده إلى الشافعي انظر الاعتبار ص 245 وفي فتح الباري 11/ 540 ذكر الحافظ نحو قول الشافعي.
(¬2) سورة التكوير الآية رقم 29، وسورة الإنسان الآية 30.
(¬3) انظر معالم السنن للخطابي 5/ 59 وفيه فنهاهم أولًا لأن الواو حرف الجمع والتشريك وثم حرف النسق بشرط التراخي فأرشدهم إلى الأدب في تقديم مشيئة الله سبحانه على مشيئة رسوله. انظر الفتح 11/ 540 والاعتبار ص 245.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه 11/ 27 رقم 19812 عن إبراهيم النخعي قوله كانوا لا يرون بأسًا بقول الرجل ما شاء الله ثم شئت وجواز أعوذ بالله ثم بك ويكرهون أعوذ بالله وبك.
(¬4) قال العلماء وفي جمع هذا الضمير في قول الخطيب ومن يعصهما فقد غوى أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخطيب التشريك في الضمير المقتضى لتوهم التسوية وعلمه صواب ما أخلَّ به فقال له قل ومن يعص الله ورسوله فظهر أن ذمه له كان على الجمع بين الإسمين في الضمير ولا يعارضه ما ورد في كلامه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه جمع بينهما فمقام النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مقام الخطيب هذا. انظر حاشية السيوطي والسندي على سنن النسائي 6/ 90 - 92 ما ذكره عن العلماء في هذا المقام.
وأضاف الحازمي نكتة جيدة في الحديث فقال في الاعتبار ص 245 قد يشكل على بعض الناس الجمع بين حديث حذيفة المتقدم وحديث الخطيب هذا إذا جوز للخطيب ما أنكره في الحديث المتقدم من العطف بالواو وهي تقتضي الجمع دون الترتيب، وأمره أن يعدل بضمير التثنية إلى حرف العطف، ثم قال وقد بين ذلك الشافعي بيانًا شافيًا وساق كلام الشافعي بسنده إلى الشافعي وخلاصته أن المشيئة لا بد فيها من أداة العطف المقتضية الترتيب لأن المشيئة لله دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله وأما حديث الخطيب ففيه بيان عن طاعة الله ورسوله وأن الله تعبد العباد بأن فرض عليهم طاعته وطاعة رسوله، فإذا أطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أطيع الله تعالى بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتقدم للمصنف الإِشارة إلى كلام الشافعي.
(¬5) غوى: بفتح الواو وكسرها وقيل الصواب الفتح، وهو من الغي وهو الانهماك في الشر. حاشية السيوطي على سنن النسائي 6/ 90.
(¬6) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام باب تخفيف الصلاة 2/ 594 رقم 87 وأبو داود في السنن في الصلاة باب الرجل يخطب على قوس 1/ 660 رقم 1099 وفي الأدب 5/ 259 رقم 4981 والنسائي في السنن باب ما يكره من الخطبة 6/ 90، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 11/ 27 رقم 19810. والحازمي في الاعتبار ص 245.

الصفحة 540