كتاب الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة
ونحن شببه متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رقيقاً (¬1) رحيماً، فقال: ((ارْجِعُوا إلى أهْلِيكُمْ فعَلِّمُوهم ومُرُوهُم، وصَلُّوا كَمَا رأيْتُمونِي أصَلِّي، وإذَا حَضَرتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لَكُمْ أحَدَكُم، ثمَّ ليؤُمَّكُمْ أكبَرُكُم)) (¬2).
وانظر إلى شفقته - صلى الله عليه وسلم - لما طلع عليه مصعب بن عمير - رضي الله عنه - - وما كان بمكة أحسن منه ولا أنعم نعمة منه - وما عليه إلا بردة له مرقوعة بفرو، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم (¬3).
وهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يروي حاله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي أفٍّ (¬4) قط، وما قال لشيء صنعته، لِمَ صنعته؟! ولا لشيء تركته: لمَ تركته؟! وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الناس خُلقاً، ولا مسست خزًّا قط (¬5) ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت مسكاً قط، ولا
¬_________
(¬1) رقيقاً: من الرقة. وفي بعض الروايات رفيقاً من الرفق. ابن حجر، فتح الباري (10/ 438).
(¬2) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم (4/ 93) حديث (6008).
(¬3) انظر: ابن الأثير، أسد الغابة (4/ 370).
(¬4) كلمة تقال من كرب أو ضجر. الفيروزآبادي، القاموس المحيط (3/ 117)، مادة (أف).
(¬5) الخز: ثياب تعمل من صوف وإبريسم. والإبريسم هو الحرير. ابن منظور، لسان العرب (5/ 345) مادة (خزز).