كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 3)

وجوابه كما أشار إليه ابن الحاجب في "مختصريه": بأن معنى أمره بأمرهم تبليغه أمر الله؛ [لقوله] (¬١) تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ} [المائدة: ٦٧]، فليس ذلك من مسألتنا في شيء؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - تبليغه يكون بأمره، فله علينا الأمر؛ ولهذا من صفاته - صلى الله عليه وسلم - وأسمائه "الآمر الناهي"؛ لقوله تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: ١٥٧]، وقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث المطلب بن حنطب: "ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" (¬٢). ويسمى أيضًا "المحلِّل المحرِّم؛ لقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧].
وأما غَيره فلا إمرة له على مَن يأمره، فلا يكون أمره تبليغًا لأمر مَن أمره أن يأمر.
أما مثال المسألة فأن يقول له: (مُر زيدًا يفعل كذا).
وقد مُثِّل فيما مثلوا به بما في "الصحيحين" وغيرهما من قوله - صلى الله عليه وسلم - لعُمر وقد طلَّق ابنُه عبد الله امرأته وهي حائض: "مُره ليراجعها" (¬٣)، وفي رواية: "فليراجعها حتى تطهر" (¬٤) الحديث.
وفي التمثيل به نظر؛ فإنه صرح فيه بالأمر من الشارع بالمراجعة وهو قوله: (ليراجعها) بلام الأمر، وإنما يكون مثالًا لو قال: (مُره بأن يراجعها)، فتَعيَّن أنْ يكون عمر مُبلغًا ليس
---------------
(¬١) في (ص): كقوله.
(¬٢) السنن الكبرى للبيهقي (رقم: ١٣٢٢١)، شعب الإيمان (٢/ ٦٧، رقم: ١١٨٥). قال الألباني: (هذا إسناد مرسل حسن). السلسلة الصحيحة (١٨٠٣).
(¬٣) صحيح البخاري (رقم: ٤٩٥٣)، صحيح مسلم (١٤٧١) بلفظ: (مُرْهُ فَلْيراجِعْهَا) , (صحيح البخاري، رقم: ٦٧٤١) بلفظ: (لِيراجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ).
(¬٤) صحيح البخاري (رقم: ٤٩٥٣)، صحيح مسلم (رقم: ١٤٧١).

الصفحة 1202