كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 4)

أما إذا قُلنا بأن الأحكام تتعلق بالذوات وأنها توصف بالحِل والحرمة كما ذهب إليه المعتزلة ويُعْزَى للحنفية أيضاً، فعدم الإجمال فيها واضح.
نعم، اختلفوا في الأحكام هل تكتسب بها الذوات صفة؟ أوْ لا؟
فالجمهور على المنع وأنها مِن صفات التعلق. فإذا قيل: هذا الشيء نجس، فليس النجاسة ولا كونه نَجِسًا راجعًا إلى نفسه ولا إلى صفة للذات، بل الذّات على حالَتَي الطهارة والنجاسة سواء، لم تستفد بهذا الحكم صفة زائدة قائمة بها، وإنَّما استفادت تَعلُّق حُكم الاجتناب -مثلاً- في النجاسة بها، وفي الخمر تَعلُّق التحريم بشربها، وأشباه ذلك. كما إذا عَلِمْتَ أنَّ زيدًا قائم أو قاعد، لم يكتسب زيد بذلك وصفاً، ولا تغَير مِن صفاته شيء.
وذهب السرخسي وفخر الإسلام -مِن الحنفية- إلى أنَّ الحكم يتعلَّق بالعين كما يتعلق بالفعل، وتكتسب العين وصفًا به.
قال القاضي في "التقريب": واعتل مَن زعم أنَّ التحريم والوجوب يرجعان إلى ذات الفعل بضرْبٍ من الجهل، وهو أنَّه لو توهم عدم الفعل؛ لَعدمت أحكامه بأسرها، فوجب أن تكون أحكامه هي هو.
قال: وهذا باطل؛ لأنَّه قولٌ يوجِب أن يكون جميع تصرفات الأجسام وأحكامها وأقوالها وأفعالها هي هي؛ لأنَّه لو تصوّر عدم الجسم؛ [لعُدمت] (¬١) أحواله وأكوانه وجميع تصرفاته، [فيجب] (¬٢) أن يكون هو عبارة عن أفعاله ونحو ذلك، ولا يقول بذلك عاقل.
قال: واعتلوا أيضاً بقولك: هذا حلال وهذا حرام.
وجوابه أنَّه لا اعتبار بالإطلاقات التي منها حقيقة ومنها مجاز.
---------------
(¬١) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: لعدم.
(¬٢) كذا في (ص، ق)، لكن في سائر النسخ: لوجب.

الصفحة 1744