كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 4)

الشرح:
أي: إذا تحرَّر معنى الإجمال والبيان، انبنى عليه معرفة ما ورد مجُمَلاً ولم يَرِد بيانه، وما كان مجُمَلًا ووَرَدَ بيانه. فالوارد مِن المجمَل إمَّا في الكتاب أو السُّنة أو في كلام العرب وغيرهم؛ فذكرنا هنا الأنواع الثلاثة:
الأوَّل: ما وَرَدَ في القرآن مجُمَلاً ولم يأت بيانه، ويسمى "المتشابه" كما سبق في تقسيم الألفاظ أن النَّصُّ والظاهر يقال لهما "المُحْكَم"، وغيرهما المقابِل لهما -وهو الذي لم تتضح دلالته لا في الابتداء ولا في الانتهاء- يقال له: "المتشابه". والأصل في ذلك قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: ٧].
وهذا لِأَصَح الأقوال دليل واضح، والثَّاني: أنَّ القرآن كله محُكم؛ لقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: ١]، والثالث: كله متشابه؛ لقوله تعالى: {نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: ٢٣].
فعَلَى الصَّحيح ليس المراد بالمحكم والمتشابه في الآيتين الأخيرتين ما أُرِيدَ في الأُولى، بل المراد بالمحكم في الكل أنَّه لا خلل فيه بوجه مِن الأوجُه، بل في غاية البلاغة والإحكام لِما أريدَ فيه من المقاصد.
والمراد بأنَّ الكل متشابه أي: يشبه بعضه بعضًا في الحقِّ والصدق والإعجاز وفي البلاغة والمعاني اللطيفة، وأنَّ بعض معانيه يشبه بعضاً مِن الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والقصص والأخبار وغير ذلك مما ليس له انحصار.
وعلى القول بانقسامه إلى محكَم ومتشابه ففي المراد بكلِّ منهما أقوال كثيرة، أَرْجَحُها ما اقتصرتُ عليه هنا مِن أنَّ "المحكم" المتضح المعنى كيف كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وأنَّ "المتشابه" ما لم يتضح، وعِلمُه عند الله لم يُطْلِع عليه عباده.

الصفحة 1755