كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 4)

وأمَّا ما كان أولاً غير متضح ثم وضح فهو القسم الثَّاني، وقد بيَّناه عقب هذا، وهو ما أريد في قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤]؛ إذِ الآية الأُولى وهي: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} لا حصر فيها؛ بدليل "منه" الدّالة على البعض.
نعم، في ثبوتِ هذا القسم -وهو الذي استأثر الله تعالى بعلمه ولم يُطلع الأمة عليه وربما أَطْلَع عليه بعض أصفيائه دُون الأُمة- خِلافٌ.
فقال الراغب في مقدمة تفسيره: (ذهب عامة المتكلمين إلى أنَّ كل القرآن يجب أن يكون معلومًا وإلا أدَّى إلى إبطال فائدة الانتفاع به) (¬١).
ويناسب هذا القول أنَّ المفسرين لم يحجموا عن تفسير شيء من القرآن ويقولوا فيه: (إنَّه متشابه لا يَعلمه إلَّا الله)، بل فسروا كل ما فيه حتَّى الحروف المقطعة في أوائل السور ونحوها.
وأمَّا الآيات المشكل ظاهرها -كآيات الصفات- فللناس فيها طريقان:
منهم من لا يخوض فيها بتأويل، ويؤمن بها كما جاءت على مُراد الله تعالى مع التنزيه عن النقائص وكُل ما قام الدليل العقلي والنقلي على استحالته على الله تعالى، وهو طريق السلف والأئمة الماضين.
والطريق الثَّاني: الخوض في التأويل بما يناسب المقام مما قام الدليل عليه من لغة العرب؛ لأنَّ الله تعالى لا يخاطبنا إلَّا بما يُفهَم مِن كلامهم وعُرِف مِن أوضاعهم، حقيقةً كان أو مجازًا.
وهذا طريقة الخَلَف المحققين، وربما وَجَب في هذا الزمان القول به؛ لِمَا انتشر مِن فساد
---------------
(¬١) تفسير الراغب الأصفهاني (١/ ٣٣).

الصفحة 1756