كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 4)

المجسمة والمبتدعة ودعوتهم لمن لا معرفة له إلى بدعتهم [تخييشًا] (¬١) عليهم بورود الظواهر وأن ذلك غير محُال، وأنَّ هذا طريقة السلف. ولا يُعْلِمُونهم باتفاق الطريقين على التنزيه، فنسأل الله السلامة. وقد بيَّنا ذلك في غير موضع مِن هذا الكتاب (¬٢).
والمقصود أنَّ هذا القسم مِن المجمل المسمَّى بِـ "المتشابه" يمثَّل بنحو أوائل السور عند مَن لا يرى تفسيرها وبالآيات والأحاديث المشكلة المعنى عند مَن لا يرى الخوض في تأويلها.
وقولي: (وَمنْهُ مَا إجْمَالُهُ قَدِ انْمَحَى بِمَا أَتَى مِنَ الدَّلِيلِ أُوضِحَا) إشارة إلى القسم الثَّاني مِن المجمل وهو الذي كان مجملًا في الابتداء ثم بُيِّن بعد ذلك بالدليل، فصار مبيِّنًا في الانتهاء، وهو لا ينحصر.
ومنه بيان نحو ما سبق في: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وفي نحو: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: ٤٣] على ما سبق من أحد أقوال الشَّافعي، وفي ما ادُّعي إجماله من آية السرقة ونحوها مما أسلفناه عند القائل بأنه مجُمل، فإنَّه يقول: إنَّه بُيِّن بعد ذلك.
بل ذلك جارٍ في جميع الأسماء الشرعيّة الواقعة في القرآن والسُنَّة، نحو: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، و {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧]. فمِن أصحابنا مَن قال: هي مجُملة؛ لأنَّ المراد مِنها لا تدل عليه اللُّغة. ومنهم مَن قال: عامة خُصَّ منه ما دخل لغةً وخرج شرعًا. والحقُّ أنَّها -تفريعًا على ثبوت الحقائق الشرعيّة- مُبيَّنة، لا إجمال فيها.
---------------
(¬١) كذا في (ت، س) وقد يكون معناها: التغليف بالخيش؛ لإخفاء شيء. ويحتمل تكون الكلمة: (تحبيشًا) أو (تخبيشًا). ومعناهما: تجميعًا؛ أي: يجمعون الظواهر الواردة التي أشار إليها المؤلف.
(¬٢) ذكرتُ في مقدمة تحقيقي (ص ٣٢) منهج أهل السُّنة والجماعة، بخلاف ما زعمه البرماوي هنا.

الصفحة 1757