كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 4)

ثم بعد ذلك مَن يرى بأنَّ لنا مجمَلًا استأثر الله تعالى بعلمه وهو "المتشابه"، يقول: تَبين بالدليلِ التمامُ عند: {إِلَّا اللَّهُ}. ومَن يرى بخلاف ذلك، لا يقف، وهو الراجح، وعليه يصح التمثيل.
وإليه أشرف بقولي: (وَعَلَيْهِ الْوَقْفُ). ويكون قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} جملة حالية من المعطوف دون المعطوف عليه؛ لِتعذُّر عودها للمعطوف عليه، كما تقول: "جاءني زيد وعمرو راكبًا)؛ لأنَّ وجوب اشتراك المتعاطفين إنَّما هو في العامل، لا في كل شيء. أما إذا أَمْكَن العَوْدُ للكل، فإنَّه يَعُود للكل كما سبق في تَعَقُّب الاستثناء ونحوه جُمَلًا أو مفردات.
والحاصل في هذه الآية أنَّ الواو مُترددة بين العطف والاستئناف.
ومما يرجح القول بأن الوقف ليس على {إِلَّا اللَّهُ} مع ما سبق مِن أنَّ الله لا يخاطبنا بما لا نفهم: أنَّ أحدًا لا يقول: إنَّ رسول الله -صَلَّى الله عليه وسلم-[لا] (¬١) يَعلم المتشابه. فإذا جاز أن يَعرفه الرسول، جاز أن يَعرفه الربانيون مِن صحابته وأتباعهم مِن أئمة أُمته.
كان ابن عباس إذا قرأ الآية يقول: "أنَا مِن الراسخين في العلم" (¬٢). ويقول في قصَّة أهل الكهف {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} [الكهف: ٢٢]: "أَنا مِن أولئك القليل" (¬٣).
وقال مجاهد: لو لم يكن للراسخين في العلم حظٌّ مِن المتشابه إلَّا أن يقولوا: "آمَنَّا به"، لم يكن لهم على الجاهل فَضْل؛ لأنَّ الكل يقولون: "آمَنَّا به".
وقيل: التقدير في الآية: (يقولون: عَلِمنا وآمَنَّا به)؛ لأنَّ العِلم بالشيء سابق على الإيمان
---------------
(¬١) كذا في (ص)، لكن في (ق، س): لم.
(¬٢) لم أجده مُسنَدًا.
(¬٣) تفسير الإمام الطبري (١٥/ ٢٢٦) بإسناده، تفسير (الوسيط، ٣/ ١٤٢) للإمام الواحدي بإسناده (طبعة: دار الكتب العلمية - بيروت).

الصفحة 1759