أحدها:
أن يكون أحدهما مُقرِّرًا لحكم الأصل والآخَر ناقلًا، فالناقل مُقدَّم عند الجمهور؛ لأنه يُفيد حُكمًا شرعيًّا ليس موجودًا في الآخَر، كحديث: "مَن مَس ذَكره فليتوضأ" مع حديث: "هل هو إلا بضعة منك؟ " (¬١).
والمخالِف في ذلك الإِمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي، فقالوا بترجيح المقرِّر؛ لأنَّ الحمْل على ما لا يُستفاد إلا مِن الشرع أَوْلى مما يُستفاد من العقل.
قيل: والتحقيق في المسألة تفصيل، وهو أنه يرجح المقرِّر فيما إذا تَقرر حُكم الناقل مُدة في الشرع عند المجتهد وعمل بموجبه ثم نُقِل له المقرِّر وجهِل التاريخ؛ لأنه حينئذٍ عمل بالخبرين: الناقل في زمان والمقرِّر بعد ذلك.
فأما إنْ كان الثابت [بمقتضَى] (¬٢) البراءة الأصلية ونُقِل الخبران فإنهما يتعارضان هنا ويرجع إلى البراءة الأصلية.
بل عبد الجبار يقول: إنَّ تقديم الناقل أو المقرِّر -على الاختلاف- ليس من باب الترجيح، بل مِن باب النَّسخ.
لكنه ضعيف؛ لأنه لا يتوقف [رَفْعُه] (¬٣) على ما يُرفَع به الحكم الشرعي.
ثانيها:
يقدَّم المُثْبَت على ما يقابله مِن المَنْفِي عند الفقهاء؛ لأنَّ مع المثبِت زيادة عِلم،
---------------
(¬١) سبق تخريجه.
(¬٢) في (ق): يقتضي.
(¬٣) في (ص، س، ت): فيه.