كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 1)

قال الشيخ تقي الدين السبكي: (كذا حرر بعض (¬١) المتأخرين معنى الإبهام، لكن عندي زيادة أخرى في التحرير، وهي أنَّ القدْر المشترك يقال على المتواطئ "كَـ: الرجُل" ولا إبهام فيه، فإنَّ حقيقته معلومة متميزة عن غيرها مِن الحقائق، وُيقال على المبْهَم مِن شيئين أو أشياء "كَـ: أَحَد الرجُلين". والفَرْق بينهما: أنَّ الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة، والثاني قصد [فيه] (¬٢) ذلك مع أحد الشخصين بِعَيْنه، أَيْ لا باعتبار معنى مشترك بينهما وإنْ لم يُعَين؛ ولذلك سُمِّي "مُبْهَمًا"؛ لأنه أُبهم علينا أَمْرُه. فلا يقال في الأول الذي هو نحو "أعْتِق رقبة": إنه واجبٌ مخيَّر؛ لأنه لم يَقُل أحدٌ فيه بِتَعَلُّق الحكم بخصوصياته، بخلاف الثاني فإنهم أجمعوا على تسميته "مُخَيَّرًا". ومن الأول أكثر أوامر الشريعة) (¬٣).
فيتعَيَّن أنَّ القَدْر المشترك في الثاني أَخَصُّ مِن القدْر المشترك في الأول، وإليه يُرْشد قولهم: "مِن أمور مُعَيَّنة". والمعنَى أنَّ النظر إليها مِن حيث تَعَيُّنها وتميُّزها مع الإبهام؛ احترازًا مِن القسم الأول.
ويؤيد ذلك ما لو باعه قفيزًا مِن صبرة (أَيْ: مجهولة الصيعان)، فيصح وتغتفر جهالة العين؛ لتساوي الأجزاء، ويَكون مِن الأول كَـ "أعْتِق رقبة"، خِلَافًا لمن زعم أنه كبيع أحد الثوبين، أَيْ: فيَكون مِن القِسم الثاني، لكنه استثني للتساوي.
أمَّا لو كانت معلومة الصيعان فإنها تنزل على الإشاعة. فإنْ فرقت الصيعان، صار التعيين والتشخيص مقصودًا؛ فيبطل. وهذا الذي هو كبيع أحد الثوبين، وهو مِن القِسم الثاني قَطْعًا.
---------------
(¬١) هنا آخِر الورقة (٣٨) مِن نُسخة (ت)، وما بعدها إلى أول الورقة (٣٩) ساقط، وسيأتي بيانه.
(¬٢) في (ص): به.
(¬٣) الإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٨٤).

الصفحة 281