وفيه قصور عن المنقول؛ فَقَدْ قاله والدُ الإمام في كتابه "المحيط"، والأستاذُ أبو إسحاق في "شرح كتاب الترتيب"، ونقله عنهما ابنُ الصلاح في "فوائد الرحلة"، ونقله أبو علي السنجي أول "شرح التلخيص" عن أهل التحقيق، فقال ما نَصُّه: (إنَّ فرض الكفاية أهم مِن فرض الأعيان، والاشتغال به أفْضل مِن الاشتغال بأداء فرض العين).
هذا صوابُ النقل، فَمَن زَعَم على هؤلاء أنهم قالوا: (إنَّ "فرض الكفاية" أفْضل "مِن فرض العين")، فَقَدْ وَهِمَ.
نَعَم، قد يُقال: إنَّ في كلام الشافعي والأصحاب ما يخالف ذلك، فَفِي "الأُم": (إنَّ قَطْعَ الطواف المفروض لِصلاة الجنازة أو الراتبة مكروهٌ؛ إذْ لا يَحْسُن تَرْك "فَرْض العين" لِـ "فرض الكفاية"). وجَرَى عليه الأصحابُ كالرافعي في بابه.
وقال في "الإحياء" فيمن يترك الصلاة و [يتجر] (¬١) في تحصيل الثياب ونَسْجها قَصْدًا لِستْر العورات يزعم أنَّ ذلك حَقٌّ: (إنه كذاب) (¬٢).
وقد يجاب بأنَّ الأهمية ليست في كل موضع، بل الحكْم يختلف باختلاف الأحوال، ففي مَن ينقذ غريقًا وهو صائم لا يتمكن منه إلا بالإفطار: يفطر؛ لِئلَّا يُفَوِّت مصلحة "فرض الكفاية"، وهو مما لا يُسْتَدْرَك. وفي مَن تَعَارَضَ معه مكتوبة وجنازة: يُقَدِّم المكتوبة؛ لأنَّ صلاة الجنازة تُسْتَدْرَك. بل قد تُقَدَّم السُّنة على الفرض حيث يخشى فواتها دُون فواته، ككسُوف مع مكتوبة مُتسعة الوقت ويخشى الانجلاء.
والفقيه يتأمل المواطن، ويُنزل كلام العلماء على ما يليق به.
واعْلَم أنه يأتي في سُنة الكفاية ما سبق فيمن أتى بها بَعْد أنْ فُعِلَتْ أو دفْعَة، وفي كَوْن
---------------
(¬١) كذا في جميع النُّسَخ، والذي في إحياء علوم الدِّين (١/ ٤٣): يتجرد.
(¬٢) إحياء علوم الدِّين (١/ ٤٣).