كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 1)

يجب عليه العَزْم على أدائه عند المطالبة. ويدُل له [أيضًا] (¬١) اتفاق أصحابنا في الأمر المطْلَق على وجوب العَزْم عند ورود الأمر.
وزعم صاحب "جمع الجوامع" أنَّ وجوب العزم لا يُعْرف إلا عن القاضي ومَن تبعه كالآمدي، وبالغ في التشنيع على هذا القول، فقال: إنه مِن هفوات القاضي، ومن العظائم في الدِّين، وإنه إيجابٌ بلا دليل.
قال: (وليس في نصوص الشافعي ومُتَقدِّمي أصحابه هذه المقالة).
قال: (وإنما موضع النظر أنَّ مَن نَوَى الترك هل يَعْصي بالنية؟ والحكم فيه أنه إنْ لم يفعل، عَمىَ بهما جميعا؛ لحديث: "ما لم تتكلم أو تعمل " (¬٢)، وإلَّا فهل عَمىَ بالنية التي كذبها الفعل؛ فيه نظر واحتمال، وحديث: "الفَرْجُ يُصدِّق ذلك أو يُكذبُه" (¬٣) دليل على عدم التعصِية). انتهى
ولا يخفى ما فيه، لِمَا سبق، ولمَا سنذكره. نَعَم، قد سبقه إلى هذا الإنكار إلْكِمِا الهرَّاسي، وكذا القاضي أبو الطيب إذْ قال: لم يذكره أصحابنا المتقدمون، ولا يحفظ عن الشافعي. ورجَّحَا الطريقة التي لا توجب العزم، وهي تُعْزَى لأكثر الفقهاء.
وممن أنكر "العَزْمَ" على القاضي إمامُ الحرمين، قِيل: لِتَخَيُّله أنه أخذه مِن دلالة صيغة الأمر عليه، وأنه جُعل العزمُ بَدَلًا مِن نفس الفعل. ولكن القاضي إنما أخذه مِن دليل العقل الذي هو أَقْوَى مِن دليل الصيغة مِن حيث إنَّ ما لا يُتَوَصَّل إلَّا به فهو واجبٌ، والعَزْمُ عنده بَدَل مِن تقديم الفعل، لا مِن الفعل نفسه كما زعمه الجبَّائي، واقتصر عليه الشيخ في
---------------
(¬١) من (ز، ت، ق).
(¬٢) صحيح البخاري (رقم: ٤٩٦٨)، صحيح مسلم (رقم: ١٢٧).
(¬٣) صحيح البخاري (رقم: ٥٨٨٩)، صحيح مسلم (رقم: ٢٦٥٧).

الصفحة 310