كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

وممن تعقب على البيضاوي في ذلك السبكي في شرحه، وأجاب بما أجبنا به عن الشافعي والأصحاب، إلا أنه لم يقتصر على ذلك، بل جعلها أنواعا نقلها عن الماوردي، وأن منها ما هو شرط في العدل، وستأتي عبارته بتمامها في الكلام على الشرط الثاني.
قال: (ومَن يُدْخل المروءة في العدالة فإنما يريد بذلك نوعًا منها، لا الجميع). انتهى
ومراده بكونه في نوع منها أنه شرط فيما يشترط فيه، لا أنه من حقيقة ذلك النوع حتى يحتاج لذكره، بل ذكره شرطًا مفردًا لقبول الشهادة والرواية أوضح وأَوْلى؛ لئلا يتوهم أنه من حقيقة العدالة.
ويستغنى في المخل بالمروءة عن التعرض لنوعَيْه، وهُما كونه معصية (كسرقة لقمة) أو مباحًا (كالبول في الطريق)، وحينئذ فلم يُحْتَج إلى قوله: (وصغائر الخسة).
نعم، ظاهر كلام الشافعي السابق أن العدالة المعتبرة في الشاهد هي المعتبرة في الراوي وإنْ شُرِط في الشاهد زيادة الحرية والعدد ونحو ذلك، فيرجح بذلك أحد الوجهين المحكيين عن الأصحاب أن عدالة الراوي هل يشترط أن تنتهي إلى عدالة الشاهد؟ أَمْ لا؟ حكاهما ابن عبدان في شرائط الأحكام:
أحدهما: أنه يعتبر في الراوي عدالة مَن يقبله الحاكم في الدماء والفروج والأموال.
وثانيهما: يُقبل في الرواية مَن ظاهره الدِّين والصدق.
وأما زيادة الاحتراز عن هوى النفس فيستغنى عنه بالملكة؛ لأنه ينافيها، ومما يؤيده ما سبق نقله عن محمد بن يحيى.
قولي: (مَانِعَةُ اقْتِرَافِ) هو صفة لملكة، وإطلاق الهلكة على ما ذكر لأنه سبب للهلاك، قال تعالى: {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: ٢٦]، وفي حديث المجامع في رمضان:

الصفحة 539