واعْلَم أن الصبي أَعَم مِن أن يكون مميِّزًا أو غير مميز، فإن الجمهور على عدم قبول المميز في الرواية والشهادة؛ لاحتمال كذبه، كما في الفاسق، بل أَوْلى؛ لِعِلْمه بأنه غير مُكلَّف، وأنه غير مؤاخَذ بالكذب؛ لأجل ذلك فلا واخ له عن ارتكابه، ولأن الصحابة لم يقبلوا إلا بالغًا، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُرسل لتبليغ شرعه إلا بالغًا. وهذان الأمران هما العمدة في تثبيت خبر الواحد.
وقيل: يُقبَل الصبي الموثوق به؛ لِغَلبة الظن بصدقه.
ويردُّه ما سبق، بل في "مختصر التقريب" للقاضي أبي بكر أنه لا يُقْبَل بالإجماع. لكن ردَّه ابن القشيري بأن الخلاف فيه شهير، أيْ: للأصوليين والمحدثين والفقهاء. وقد حكى فيه إمام الحرمين وجهًا، بل حكى القاضي الحسين الخلاف قولين للشافعي في إخباره عن القبلة، وجرى عليه الرافعي والنووي، وقيَّداه بالمميز، وحكيا في باب التيمم فيه وجهين أيضًا، إلا أنهما قيداه بالمراهق. ونقل التفصيل بين المراهق وغيره أيضًا ابن عَقيل الحنبلي في كتاب "الواضح"، بل في "المنخول" للغزالي أن محل الخلاف في المراهق الثبت، وستأتي مسائل كثيرة من ذلك.
وفي المسألة قول رابع للمالكية: إنه يُقبل في الدماء دُون غيرها، قال ابن الحاجب في "مختصر الأصول": (وأما إجماع المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء قبل تفرقهم فمستثنى؛ لكثرة الجناية بينهم منفردين) (¬١).
أيْ على أصل المالكية.
لكن انتقد عليه في ادعاء إجماع المدينة، فالمشهور في كتبهم إنما هو نَقْله عن علي ومعاوية وعروة بن الزبير وشريح وعمر بن عبد العزيز. بل قال ابن حزم: لا نعلم أحدًا قبل مالك
---------------
(¬١) مختصر منتهى السؤل والأمل (١/ ٥٥٩)، الناشر: دار ابن حزم.