كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

ومعصية تجب بها النار -أَوْلى أنْ تطيب النفْس بقبولها مِن شهادة مَن يخفف المأثم فيها) (¬١).
انتهى قال [بعض] (¬٢) شراحه كالصيدلاني وغيره: يعني بذلك الخطابية، وهُم قوم من الخوارج يرون الكذب كُفرًا يوجِب التخليد في النار. فإذا حلف أحدهم لصاحبه بما يدعيه، يَشْهد له.
قال: (وإنما لا تُقبل شهادته مطلقة، فإنْ بيَّن السبب مِن بيع أو إقرار أو غيره، قُبِل. ثُم ذَكر -يعني الشافعيَّ- أنَّ القلب إلى قول مَن يرى الكذب كفرًا أو موجِبًا للتخليد أَسْكَن بعد ما لم يكن مِن الخطابية). انتهى
فبيَّن الجمْعَ بيْن كلامَي الشافعي أوَّ، وآخِرًا.
واعْلم أن الشهرستاني وابن السمعاني وغيرهما ممن تَرجم للخطابية ذكروا أمورًا كثيرة مِن كُفرهم، ولم يذكروا استحلالهم الكذب ولا التكفير به، ولكن مَن حَفظ حُجة على مَن لم يحفظ. عَلَى أنَّ الإمام الرازي وأتباعه على هذا المذهب قالوا: إلا أنْ يكون قد ظهر عناد المبتدع، فلا يُقبل قولُه، لأنَّ العناد كذب.
وإنما لم أذكر ذلك لأن مَن ظهر عناده وتعمد الكذب، عُرِف أنه يستحل الكذب، فهو داخل في مُستحِل الكذب.
الثاني: يستفاد مما ذكرناه من الراجح في قبول المبتدع مسألة مَن أَقْدَم على مفسق مظنون معتقدًا أنه غير مفسق، أنه يُقْبل؛ لأن المبتدع قد أقدم بظنه على مفسق مقطوع به، ومع ذلك يُقبل، فهذا أَوْلى، وهو ما سبق نقْله عن الشافعي مِن قبول أهل الأهواء، والآخَر مأخوذ من قوله في شارب النبيذ الحنفي: (أحدُّه، وأَقْبَل شهادته). أي: لأنه لم يُقْدِم عليه بجرأة، ودليل
---------------
(¬١) مختصر المزني (ص ٣١٠).
(¬٢) من (ت، ق، ش).

الصفحة 569