قلتُ: مَن أثنى الله ورسوله عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلًا؟ ! فإذا كان التعديل يثبت بِقَول اثنين من الناس أو واحد في الراوي كما سيأتي، فكيف لا تثبت العدالة بهذا الثناء العظيم من الله ورسوله؟ !
وهذا المذهب هو المعتمد، بل حكى ابن عبد البر في مقدمة "الاستيعاب" الإجماع عليه من أهل السنة والجماعة، وقال القاضي أبو بكر: إنه قول السلف وجمهور الخلف.
وحكى فيه أيضًا إمام الحرمين الإجماع، قال: (والسبب فيه أنهم نَقَلةُ الشريعة، ولو ثبت توقُّف في روايتهم لَانحصرت الشريعة في عصره - صلى الله عليه وسلم - دُون سائر الأعصار) (¬١).
قال إلْكِيا الطبري: إن عليه كافة أصحابنا، وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فمبني على الاجتهاد، فإما أن كل مجتهد مصيب، وإما المصيب واحد وغير المصيب معذور، بل مأجور؛ لأنه ليس من الاعتقاديات القطعية، وكما قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها أَلسِنتنا.
ووراء هذا المذهب أقوال ضعيفة، بل باطلة:
منها: أنهم كغيرهم في الفحص عن عدالتهم.
ومنها: أنهم عدول إلى زمن قتل عثمان - رضي الله عنه -؛ لظهور الفتن من يومئذ.
والحقُّ أن عثمان قُتل ظلمًا، وحمى الله تعالى الصحابة من مباشرة قَتْله، ولم يتول قتلَهُ إلا شيطانٌ مريد، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة الرضا بقتله، بل المحفوظ أن كُلًّا منهم أنكر ذلك.
ومنها: قول المعتزلة كما حكاه ابن الحاجب: إنهم عدول إلَّا مَن قاتل عليًّا ففاسق؛
---------------
(¬١) البرهان (١/ ٤٠٧).