كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

الذي قد سلَّم المعنى وفرق في الأحكام بما لا يناسب.
فإن قلتَ: فأين اعتبار إمكان الترافُع في الشهادة دون الرواية في كلام الشافعي؟
قلتُ: من قوله: "وإنما يلزم المشهود عليه"؛ فإن اللزوم يستدعي مخاصمةً وترافُعًا.
فإنْ قيل: ليس فيما نقلتَ عن الشافعي ولا فيما نقله القرافي عن المازري ذكر ما يُعتبر في الشهادة مِن لفظ "أشهد" وكوْنه عند الحاكم أو المحكَّم أو سيِّد العبد والأَمة حيث سمع عليهما البيِّنة لإقامة الحدود إنْ جوَّزنا له ذلك، ولا ما أَشْبَه ذلك مما يختص بالشهادة.
قلتُ: إنما لم تُذكر؛ لِكونها أحكامًا وشروطًا خارجة عن الحقيقة، وعلى كل حالٍ فقد عُلِمَ مما سبق وجْه المناسبة فيما اختصت به الشهادة عن روايات الأخبار.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: (لأنَّ الغالب من المسلمين مَهابة الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف شهادة الزور؛ فاحتيج إلى الاستظهار في الشهادات. وأيضًا فقد ينفرد الحديث النبوي بشاهد واحد في المحاكمات وبهذا يظهر فيما سبق في تزكية الواحد في الرواية أنه لكونه أحوط. وأيضًا بيْن كثير من المسلمين إحَنٌ وعَداوات قد تحمل على شهادة الزور من بعضٍ، بخلاف الأخبار النبوية). انتهى ملخصًا.
وفَصَّل غيره المعنى فيما اعتُبِر في الشهادة:
أمَّا العَدد: فإنها لَمَّا تَعلقت بمُعَين، تَطرَّقت إليها التهمة باحتمال العداوة؛ فاحتيط بإبعاد التهمة بالعدد، بخلاف الرواية. وسيأتي آخِر الفصل الإشارة إلى خلاف ضعيف في اشتراطه في الرواية أيضًا.
وأما الذكورة حيث اشتُرِطت: فلأن إلزام المعيَّن فيه نوع سلطنة وقَهْر، والنفوس تأباه ولاسيما من النساء؛ لنقص عقولهن ودِينهن، بخلاف الرواية؛ لأنها عامة تتأسى فيها النفوس، فَيَخِفُّ الألم، وأيضًا فلنقص النساء يكثُر غلطُهن، ولا ينكشف ذلك غالبًا في

الصفحة 594