كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

ومما يدل على أنَّ ذلك احتياط في الصوم أنه لا يجري في حلول أَجَل ولا معلق طلاق أو عتق أو نحو ذلك قطعًا إلَّا أن يتأخر التعليق عن ثبوته ويعلق به، فإنه ينصرف عُرفًا إلى الثبوت الذي به الصيام، وهذا [مقتضى] (¬١) ما أشرتُ إليه في الجمع بين النصين مِن كوْن العَدْل الواحد للصوم احتياطًا والعَدْلَين في سائر الأحكام.
نعم، يُعكِّر على هذا الجمع نصوص الشافعي المصرحة بأنه لا يُصام إلا بشهادة عدلين، منها ما قاله في موضع من "الأم"، ولفظه: (ولا يلزم الناس أنْ يصوموا إلا بشهادة عدلين فأكثر، وكذلك لا يُفطرون، وأَحَبُّ إليَّ لو صاموا بشهادة العدل؛ لأنه لا مؤنة عليهم في الصيام. إنْ كان مِن رمضان، أدوه. وإنْ لم يكن، رجوتُ أنْ يُؤجَروا به) (¬٢). انتهى.
وهو صريح في أن الصوم بعدل مستحب احتياطًا، لا وجوب فيه، وأن الوجوب بعدلين.
وإنما قلنا في قبول الواحد للصوم (على القول به): إنه شهادة كالرواية في الواحد فقط؛ لِمَا في حديث: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإنْ غم عليكم فاقدروا له" (¬٣). زيادة
---------------
= صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى ترَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ". قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، نَظَرَ لَهُ، فَإِنْ رُئِيَ فَذَاكَ، وإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ، أَصْبَحَ مُفْطِرًا. فَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ، أَصْبَحَ صَائِمًا. قَالَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ، وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الحسَابِ).
قال الألباني: صحيح. (صحيح سنن أبي داود: ٢٣٢٠).
(¬١) في (ص): يقتضى.
(¬٢) الأم (٧/ ٥٠ - ٥١).
(¬٣) صحيح البخاري (رقم: ١٨١٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٠٨٠).

الصفحة 597