والثاني: أن أسباب العدالة كثيرة ولا بُد مِن ذِكر الكل؛ فيشق ذِكرُها بأن يقول المُعدِّل: (ليس يفعل كذا ولا كذا) إلى آخِر المجتنَبات، و: (يفعل كذا ويفعل كذا) إلى آخِر الطاعات المرتكَبات، بخلاف الجرح، فإنَّ ذِكرَ الواحد من أسبابه يُغْني في ثبوت الجرح.
قالوا: وربما استُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرح، فروى الخطيب بسنده [لأبي] (¬١) جعفر المدائني قال: قيل لشعبة: لِمَ تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون؛ فتركت حديثه.
إلى غير ذلك مما يُظن جرحًا وليس بجرح، وهو معنى ثالث لكن يمكن دخوله في الأول، فإنه اختلاف في السبب وإنْ كان القول بأحدهما وَهمًا أو نحو ذلك.
قلت: لكن ركض البرذون ربما يكون مفسقًا أو مخلًّا بالمروءة، فلا ينبغي أن يمثَّل به لذلك.
وفي أنواع الشهادات مواضع أخرى اختُلف في الإطلاق فيها هل يكتفَى به؟ أو لا بُد من السبب؟ وهي مختلفة ترجيحًا وجزمًا، ليس ذلك موضع بسطها، تَعَرَّض لكثير منها العلائي في "قواعده" وغيره.
القول الثاني: عكس الأول، وهو أنه يُقبل الجرح بلا تفسير، ولا يقبل التعديل إلا مفسَّرًا؛ لأن أسباب العدالة يَكثُر التصنع فيها، فيبني فيها المعدِّل على الظاهر. حكاه صاحب "المحصول" وغيره، ونقله إمام الحرمين في "البرهان" والغزالي في "المنخول" وإلْكِيَا في "التلويح" وابن بَرهان في "الأوسط" عن القاضي أبي بكر؛ لكن المعروف عنه ما سيأتي.
الثالث: يُعتبر في كلٍّ منهما ذِكر سببه؛ لأنَّه قد يجرح بما لا يقدح، وقد يبني المعدِّل على الظاهر والأمر بخلافه. حكاه الخطيب والأصوليون، وبه قال الماوردي أيضًا، قال: وقد
---------------
(¬١) كذا في (ز) وهو الصواب كما في (الكفاية، ص ١١١). وفي سائر النُّسخ: لأبي محمد بن.