رُوي أن [ابن عمر] (¬١) زُكِّي عنده رجُل، فسأل المزكِّي عن أحواله، فذكر له ما لا يُكتفَى به.
الرابع: أنه يكفي الإطلاق في كل منهما؛ لأنَّ الجارح والمعدِّل إن لم يكونا بصيرين بالأسباب، لم يَصْلُحَا لذلك، فإن كانا بصيرين بها فلا معنى لذكرهما إياها.
وهذا ما نَص عليه القاضي أبو بكر في "التقريب"، وكذا نقله عنه الخطيب في "الكفاية" والغزالي في "المستصفى" والمازري في "شرح البرهان" والقرطبي في "الوصول" والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب، وابن القشيري ورَدَّ على الإمام ما نقله في"البرهان" عنه.
وأما قول إمام الحرمين والإمام الرازي: (يكفي الإطلاق من العالم بأسبابهما دُون غيره) (¬٢) فلَم يخرج عن القاضي وهو الاكتفاء بالإطلاق فيهما؛ لأنَّ غير العارف لا يَصلح لتعديل ولا لتجريح.
قال القاضي تاج الدين السبكي: (والمختار عندي في الشهادة التفصيل بين الجرح والتعديل كما ذهب إليه الشافعي، وفي الرواية الاكتفاء بالإطلاق في الجرح والتعديل معًا إذا عُرف مذهب الجارح فيما يجرح به) (¬٣).
---------------
(¬١) كذا في جميع النُّسخ، وعبارة الزركشي في (البحر المحيط، ٣/ ٣٥٢): (وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - زُكِّيَ عِنْدَهُ رَجُلٌ. .). وفي (الكفاية، ص ٨٣) للخطيب البغدادي: (شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - بِشَهَادَةٍ، فَقَالَ لَهُ: لَسْتُ أَعْرِفُكَ، وَلَا يَضُرُّكَ أَلَاّ أَعْرِفَكَ، ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أنا أَعْرِفُهُ. قَالَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ. قَالَ: فَهُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ وَمُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِما يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لَسْتَ تَعْرِفُهُ. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ).
(¬٢) البرهان في أصول الفقه (١/ ٢٣٧)، المحصول (٤/ ٤١٠).
(¬٣) رفع الحاجب (٢/ ٣٩١).