كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

قلت: وفيما اختاره نَظَر مِن وجوه:
أحدها: مخالفة إمامه الشافعي والجمهور.
والثاني: أن الجارح إذا عُرف مذهبه فيما يجرح به، نزل ذلك منزلة ذِكره.
الثالث: أن الذي يظهر في مستنده في اختيار ذلك ما قال ابن الصلاح: (إنَّ لقائلٍ أنْ يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورَدِّ حديثهم على الكُتب التي صنفها أهل الحديث في الجرح، وقَلَّ ما يتعرضون فيها للسبب، بل يقتصرون فيها على مجرد قولهم: "فلان ضعيف" و"فلان ليس بشيء" ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب في جرح الرواة يفضي إلى تعطيل ذلك وسَدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر) (¬١).
قال: (وجوابه أنَّ ذلك وإنْ لم يعتمد في إثبات الجرح فالحكم به معتمد في التوقف عن قبول حديث مَن قالوا فيه ذلك؛ بناءً على أنه أَوْجَد عندنا ريبةً قويةً يوجِب مثلها التوقف؛ ولهذا مَن زالت عنه هذه الريبة فبُحِث عن حاله فظهر ما يوجِب الثقة به، قَبِلْناه كمن احتج بكثير منهم صاحِبَا الصحيحين مع أنَّ فيهم مِثل هذا الجرح) (¬٢). انتهى ملخصًا.
وهو معنى قول النووي في "شرح مسلم": إنَّ المعْنِيَّ بعدم قبول الجرح المطلَق في الراوي وجوب التوقف عن العمل بروايته إلى أن يبحث عن السبب.
وهو حسن يزول به عن الصحيحين الإشكال [قبل] (¬٣) ذلك.
ويزول به إشكالٌ آخَر وهو أنَّ الجرح مقدَّم على التعديل، فكان على مقتضَى ذلك كل مَن جُرح بوجه لا يُقبل مطلقًا لاسيما وقد وقع بعض مَن دخل في الجرح والتعديل في كثير من
---------------
(¬١) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٠٨).
(¬٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٠٨ - ١٠٩).
(¬٣) في (ز): بمثل.

الصفحة 603