الأمر الثاني: أنْ يروى عنه مَن عادته أنْ لا يروي إلا عن عدلٍ، كيحيى بن سعيد القطان وشعبة ومالك ونحوهم. قال البيهقي: وقد تقع رواية بعضهم عن بعض الضعفاء؛ لخفاء حالِه، كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق.
فيكون تعديلًا له -على المختار عند إمام الحرمين وابن القشيري والغزالي والآمدي وابن الحاجب والهندي والباجي وغيرهم- بشهادة ظاهر الحال، وإليه ذهب البخاري ومسلم في صحيحيهما، وقال المازري: إنه قول الحذاق.
وهذا على قول مَن لا يَشترط بيان سبب التعديل، أمَّا مَن يشترط فلا يكون مجرد الرواية عنه تعديلًا ولو كان مِن عادته أن لا يَروي إلا عن عَدْل؛ لأنهم قد يروون عمن لو سُئلوا عنه لجرَّحوه، ووقع ذلك كثيرًا (¬١).
قلتُ: هذا ينافي كَوْن مِن عادته أنْ لا يَروي إلَاّ عن عدل، فإنَّ الظاهر أنه لو سُئل عَمن يروي عنه لَعَدَّلَه ولم يجرحه.
ويُعرَف كونه لا يَروي إلا عن عَدْل إما بتصريحه وهو الغاية، أو باعتبارنا لحاله واستقرائنا لمن يروي عنه، وهو دُون الأول. قاله ابن دقيق العيد، قال: (وهل يكتفَى بذلك في قبول روايته عمن لا [نعرفه] (¬٢)؟ فيه وقفة لبعض أصحاب الحديث من المعاصرين، وفيه تشديد). انتهى
---------------
(¬١) هذه الفقرة جاءت هكذا في جميع النُّسخ، ويظهر لي وجود خَلَل فيها، وعبارة الزركشي في (البحر المحيط، ٣/ ٣٤٨): (قَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْحُذَّاقِ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا: لَا حَاجَةَ لِبَيَانِ سَبَبِ التَّعْدِيلِ. فَإِنْ رَوَى عَنْهُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الرِّوَايَةَ عَن الْعَدْلِ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ؛ لِأَنَّا رَأَيْنَاهُمْ يَرْوُونَ عَنْ أَقْوَامٍ، وَيَجْرَحُونَهُمْ لَوْ سُئِلُوا عَنْهُمْ).
(¬٢) كذا في (ز). وفي (ظ): تعرفه. وفي (ص، ش): يعرفه.