المروءة) (¬١). انتهى
أما معناها الاصطلاحي الذي نقصده هنا فهو: تَوَقِّي الإنسان ما لا يليق بحاله، ويختلف ذلك باختلاف الناس. وهو معنى قول الرافعي وغيره: إنها تَوَقِّي الأدناس؛ لأنَّ ما لا يليق به هو دنس بالنسبة إليه، فلا يلبس ما لا يليق بمثله كفقيه قباء أو قلنسوة لم تَجْرِ عادة الفقهاء بمثله، ومَد رِجله بين الناس، والأكل في السوق، وإكثار الحكايات المضحكة، والإكباب على لعب الشطرنج، ونحو ذلك.
وهو معنى قولي: (إذَا يُبَالَى)، أي: إذا كان ذلك الذي يتركه يبالَى بفعله في العادة لمثله، أما ما لا يبالَى به كتعاطي حرفة دنيةٍ وهي تليق به فلا تضر، فيُقبَل، نحو: حجام وكناس ودباغ وقَيِّم حمام (على الأصح).
قال الغزالي: (الوجهان في أصحاب الحرَف هُما فيمن تليق به وكان ذلك صنعة آبائه، فأما غيره فتسقط مروءته بها) (¬٢). قال الرافعي: وهو حسن.
وتفصيل ذلك مستوعبًا محله الفقه.
ومما ذكر فيه أنَّ مَن اعتاد ترك السُّنن الراتبة وتسبيحات الركوع والسجود، رُدَّت شهادته؛ لتهاونه بالدِّين وإشعار ذلك بِقِلة مبالاته بالمهمات.
وفي وجْه: لا ترد إلا إن كان الترك للوتر وركعتي الفجر، لِمَا جاء في فِعلها من التوكيد.
قولي: (نَحْوُ صَغِيرة) إلى آخِره -إشارة إلى أنَّ ما يخرم المروءة لا فرق فيه بين أن يكون معصية صغيرة أو مباحًا، ومثلتُ للأول بسرقة اللقمة، وللثاني بمداومة الشطرنج كما سبق في الأمثلة.
---------------
(¬١) الصحاح تاج اللغة (١/ ٧٢).
(¬٢) الوسيط في المذهب (٧/ ٣٥٣).