كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

قلتُ: وكل هذا بِناء على أنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - لم يكن فقيهًا، والصواب خلافُه، فقد كان من فقهاء الصحابة، وقد أَفْرَد الشيخ تقي الدين السبكي جُزءًا في فتاويه (¬١).
وما أحسن ما قاله شارح "البزدوي": (بل كان فقيهًا، ولم يُعْدَم شيئًا مِن آلات الاجتهاد وكان يُفتي في زمن الصحابة، وما كان يُفتي في ذلك الزمان إلَّا مجتهد، وقد انتشر عنه معظم الشريعة، فلا وَجْه لِرَدِّ حديثه بالقياس) (¬٢). انتهى
ومنه: لا يُشترط أن يكون عالِمًا بالعربية، ولا أن يكون عالمًا بمعنى ما رواه، كالأعجمي؛ لأنَّ جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه الحديث؛ ولهذا يمكنه حفظ القرآن وإنْ لم يَعرف معناه؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "فَرُبَّ مُبَلِّغ أَوْعَى مِن سامِع" (¬٣).
ولا يُشترط أيضًا أن يكون مُعتنيًا بشأن علوم الحديث كما جزم به إلْكِيا الطبري وغيره وإنْ رجح عليه رواية مَن اعتنى بالروايات.
ولا يُشترط كوْنه أجنبيًّا، فلو روى خبرًا ينفع به نفسه أو ولده، قُبِل؛ لأنَّ نفْعه لا يختص به ولا بزمن حياته.
ولا يُشترط أن يكون لفظُه: "سمعتُ" و"أخبرنا"، خلافًا للظاهرية.
ولا يُشترط أن يحلف على روايته، وعن علي - رضي الله عنه - أنه كان يذهب إلى تحليف الراوي على روايته. وحكاه الأستاذ أبو إسحاق أيضًا.
ومنه: هل يُشترط في الراوي العَدد؟ عن الجبائي اشتراطه بأن يروي اثنان عن اثنين حتى ينتهي إلى المخبَر عنه؟ اعتبارًا بالشهادة. ونقل عنه القاضي أبو الطيب أنه زعم أنه مذهب
---------------
(¬١) جاء في هامش (ز): أيْ: في فتاوى أبي هريرة.
(¬٢) كشف الأسرار (٢/ ٥٥٩)، الناشر: دار الكتب العلمية.
(¬٣) صحيح البخاري (رقم: ١٦٥٤)، صحيح مسلم (١٦٧٩).

الصفحة 636