كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

وعن الثاني: بأنه قد استُقرئ عليه أنه لم يُبْهِم ذِكر الراوي إلا في حديث معروفٍ عند أهل الحديث براوٍ معلوم الاسم والعدالة، فلا يضره تركُه تسمية الشيخ.
قال الرافعي في "شرح المسند": (ولك أن تقول: المحتاج للوضوء إذا قال له مَن يَعرفه بالعدالة: "هذا الماء نجس بسبب كذا"، يَلْزَمه قبوله. ولو قال له مَن هو مِن أهل التعديل: "أخبرني عدلٌ بذلك"، ولم يُسَم، فيشبه أن الحكم كذلك). انتهى
وهذا الجزم مؤيد لِمَا قُلناه، ويؤيد ذلك أنَّ الحديث إذا رُوي عن رجل من الصحابة، يُحتج به ولا يُعَد مرسلًا وإنْ لم يكن الصحابي معيَّنًا كما سبق؛ للعِلم بعدالة الكل.
الثاني: إذا قال: (أخبَرني مَن لا أتهم) كما يقع في كلام الشافعي- رحمه الله- كثيرًا، كان دُون: (أخبرني الثقة). فقال الحافظ الذهبي: ليس مِثله فيما سبق؛ لأنه نفَى التهمة ولم يتعرض لإتقانه ولا لكونه حجة.
ورجَّح غيره أنه مِثله؛ لأنَّ ذلك إذا وقع مِن مِثل الشافعي في الاحتجاج، فإنما يريد به ما يريد بقوله: ثقة.
على أنَّ الذهبي قد سُبق بذلك مِن فحول أصحابنا، ففي كتاب "الدلائل والأعلام" للصيرفي: إذا قال المحدث: "حدثني الثقة عندي" و"حدثني مَن لا أتهم"، لم يكن حجة؛ لأنَّ الثقة عنده قد لا يكون ثقة عندي. وذكر نحوه الماوردي والروياني في القضاء.
فاقتصار السبكي في "جمع الجوامع" على الذهبي قصورٌ، إلا أنْ يريد أنَّ الذهبي يفرق بين "ثقة" و"لا أتهم" وهؤلاء يخالفون فيهما معًا كما أوضحناه عند حكاية المذاهب.
نعم، قول الصيرفي: (حدثني الثقة عندي) يقتضي التصوير [بِقَيد] (¬١) "عندي"، حتى لو قال: (الثقة) وأَطْلَق، لا يكون كذلك.
---------------
(¬١) في (ز): بثقة.

الصفحة 647