قال ابن عبد البر: (كأنَّ ابن جرير يعني أنَّ الشافعي أول مَن رد المرسل) (¬١). انتهى
قيل: إنْ صحَّ هذا عن ابن جرير فهو محمول على أنه لم يكن يُعمَل به إلى رأس المائتين حتى يحتاج لإنكار، فلمَّا عُمل به، أنكرَه مَن أنكره، وإلَّا فابن جرير مِن أجلاء الشافعية يَبعُد أن يدَّعي خَرْقَ إمامِهِ الإجماع، وإمامُه أَدْرَى بمواقع الإجماع والاختلاف مِن أمثاله، وهذا مُسْلم وابن عبد البر والخطيب ينقلون رده عن الجماهير كما سيأتي.
قلتُ: الجواب حسن إلَّا كونه لم يكن يُعمل به إلى رأس المائتين، ففيه نظر؛ لأنَّ أبا حنيفة ومالكًا من القائلين بقبوله والعمل به.
قيل: ويحتمل أنَّ مراد ابن جرير مراسيل الصحابة؛ لأنَّ المخالف فيها الأستاذ أبو إسحاق، وهو بعد المائتين.
قلتُ: لكن بكثير، فإنَّ وفاته عاشر المحرم سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فكيف يكون رأس المائتين غايةً لذلك؟ ! إلَّا أن يكون للأستاذ سَلَف في رأس المائتين قال ابن جرير ذلك لِأَجْلهِ.
وغَلَا بعض هؤلاء فزعم أنَّ "المرسَل" أقوى من "المسند" من حيث إنَّ المرسِل له كأنه التزم صحته مِن حيث أَخفَى، بخلاف ما لو صرح. ويحكَى ذلك عن بعض الحنفية، وحكاه صاحب "الواضح" عن أبي يوسف.
والشافعي - رضي الله عنه - قد أشار إلى رد ذلك، حيث قال -بعد المرسَل الذي اعتضد بما سنذكره عنه حتى صار حُجة -ما نَصه: (ولا نستطيع أن نزعم أنَّ الحجة تثبت [بها ثبوته] (¬٢) بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يَكون يُرْغَبُ عن الرواية
---------------
(¬١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١/ ٤).
(¬٢) كذا في جميع النُّسخ، وعبارة الشافعي في (الرسالة، ص ٤٦٤): به ثبوتها.