نعم، هُما في الحقيقة راجعان إلى قبول المراسيل مطلقًا، إذِ المراد بأئمة النقل أهل الجرح والتعديل، ومَن ليس كذلك لا يقول أحد بقبول مرسَله، لأنَّ اعتماد القائلين له إنما اعتمدوا على أنَّ تركه تعديلٌ له وإلَّا لَمَا جاز له الجزم بأنَّ المحدَّث عنه صَدَر ذلك منه.
لكن اختار ابن برهان في "وَجِيزِه" قريبًا من ذلك، وهو: مع كوْنه مِن أئمة النقل أنْ يكون مذهبه في الجرح والتعديل موافِقًا لمذهب مَن يريد العمل بمرسَله في ذلك.
الخامس: وهو ما اقتصرتُ عليه في النَّظم؛ لأنَّه مذهب الشافعي الذي نَصَّ عليه، وهو أرجح الأقوال: أنَّ "المرسَل" لا يُحتج به بمجرَّدِه.
ومن ألطَف ما استدل به الشافعي في ذلك وتداوله الناس عنه- كالغزالي وغيره- الإجماع على رد "المرسل" في الشهادة، وأهي، (¬١) أنْ لا يَذكر الشاهد مَن شهد على شهادته. ولم يجعلوا تركَه تعديلًا له؛ أفكذا، (¬٢) الرواية؛ إذْ لا فارق بينهما فيما يرجع إلى العدالة.
نعم، إذا انضم إلى "المرسَل" ما يتقوى به، يكون حجة.
فمن ذلك إذا كان المرسِل له ممن عُرف أنه لا يروي إلَّا عن عدلٍ وقد اعتُبِرَت مراسيله فوُجدت مسانيد، كسعيد بن المسيب - رضي الله عنه -.
لكن هل يحتاج "مُرْسَلُه" إلى انضمام ما يؤكده -كما سيأتي- مِن مُرْسَل غيْره؛ أو لا؛ قال الماوردي في "باب بيع اللحم بالحيوان": (إنَّ القديم (¬٣): يُحتج به؛ لأنه لا يرسِل حديثًا إلَّا ويوجد مُسنَدًا، ولأنه لا يروي إلا عن أكابر الصحابة، وأيضًا فإنَّ مراسيله سُبِرَت
---------------
(¬١) في (ت): هو.
(¬٢) في (ز): فكذلك.
(¬٣) يعني: مذهب الشافعي القديم.