كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

العراقيين والخراسانيين أنَّ أصله رذُ المراسيل، وأنها لا تُقبَل بنفسها بحال) (¬١).
وأيضًا فإن كان في نفسه حُجة، فلا حاجة لفقد الدليل. وإنْ لم يكن حُجة، فسواء وجُد دليل آخَر أوْ لا، ومثل هذا بعيد عن التعقل.
نعم، إنْ أُريدَ -على بُعْد- بفقد الدليل فقدُ دليل يُخالفه، فيرجع حاصله إلى أنه حُجة ضعيفة لا تقاوم شيئًا من الأدلة إلَّا البراءة الأصلية؛ لفقد غيرها، فإنها أضعف منه.
قلتُ: ورأيت في كلام الماوردي ما يرشد لذلك، فقال في "باب زكاة الفطر" في قول الشافعي: (أخبرنا مالك بن أنس، عن حميد بن قيس، عن طاووس أنَّ معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين بقرة مسنة):
(فإنْ قيل: حديث معاذ مرسل؛ لأنَّ طاووسًا ولد في زمن عمر، وكان له سَنة حين مات معاذ، والشافعي لا يقول بالمراسيل، فكيف يعتد بها؛ قيل: الجواب عنه من ثلاثة أوجُه).
إلى أن قال: (والجواب الثاني: أنَّ الشافعي يمنع مِن أخذ المراسيل إذا كان هناك مسند يعارضه، فإن كان مشتهرًا لا يعارضه فالأخذ به واجب) (¬٢). انتهى
نعم، تسميته لذلك "مرسلًا" إنما هو على طريقةٍ كما سبق، إلَّا أن يحمل على أنَ معاذًا إنما أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا ومن أربعين مُسنّة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بذلك حين وجَّهه إلى اليمن كما جاء في أصل الحديث، فإنه ينحل إلى رواية طاووس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو مرسَل على كل حال على هذا التقرير.
ويمكن جواب آخَر عن قول الماوردي والإمام، وهو: أنَّ المرسَل إذا دل على منع شيء
---------------
(¬١) قواطع الأدلة (١/ ٣٧٩).
(¬٢) الحاوي الكبير (٣/ ١٠٧).

الصفحة 672