قال ابن الصلاح: (ووجدتُ مثل ما حكاه عن البرديجي للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في "مسنده " الفحل، فإنه ذكر فيه ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمار قال: "أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُصلي فسلمت عليه، فَرَدَّ عليّ السلام" (¬١)، وجعله مسندًا موصولًا. وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: "أنَّ عمارًا مَرَّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي" (¬٢)، فجعله مرسَلًا) (¬٣).
وأُجيب عن ذلك بمثل ما سبق في قول أحمد؛ وذلك لأنَّ ابن الحنفية لم يُسند القصة إلى قول عمار، ولو قال: أنَّ عمارًا قال: (مررتُ بالنبي - صلى الله عليه وسلم -) لَمَا كان مرسلاً، ولكنه لَمَّا قال: (أنَّ عمارًا مَر)، كان حاكيًا لقصة لم يدركها، فتحَصَّلَ أنه ليس في كلام ابن أبي شيبة ولا أحمد ما يدل على الاستواء، إلا أن يريدا ما سبقت الإشارة إليه من أنَّ "عن" تتعلق بِـ "حدَّث" أو "قال" محذوفة، ولا كذلك "أنَّ"؛ فافترقا.
ويظهر أثر هذا الفرق في نحو حديث عائشة في بدء الوحي، فإنه مرسَل صحابي كما قاله النووي كما سبق؛ لأنها لم تسنده إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أدركَتْ الواقعة.
ولو أُتِي هنا بِ "عن" بدل "أنَّ" كما لو قيل: (عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أول ما بُدئَ به الوحي) إلى آخره، كان ذلك ظاهرًا في أنه - صلى الله عليه وسلم - حدَّثها بذلك أو سَمعَته يقوله وإنْ لم يُؤتَ في ذلك بلفظ "قال" ونحوه.
فالضابط كما قاله ابن عبد البر أنَ الراوي لقضية:
- إنْ أمكن أن يكون أدركها، حُكِم بالاتصال.
---------------
(¬١) مصنف ابن أبي شيبة (رقم: ٤٨٢٣).
(¬٢) معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٢٥٠) بلفظ: (أن عمار بن ياسر مر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ... ).
(¬٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ٦٢).