كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

بقولي: (كَذَاكَ: "كَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَ") إلى آخِره.
فإذا قال الصحابي: (كان الناس يفعلون) أو: (كانوا لا يقطعون في التافه) أو نحو ذلك ولم يقيد بعهده أو في عصره أو زمانه أو نحو ذلك، فقيل: يحتج به؛ لأن ظاهره أنه إجماع.
وجمع ابن الحاجب بينه وبين القسم الذي قبله، وسوى بينهما في الاحتجاج به على قول الأكثر لهذا المعنى، فقال: (إذا قال -أيِ الصحابي-: "كنا نفعل" أو: "كانوا يفعلون"، فالأكثر: حُجة؛ لظهوره في عمل الجماعة) (¬١). انتهى
ولم يذكر المرتبتين الأولتين؛ لأنهما حينئذٍ حجة من باب أَوْلَى، ومقتضى كلام القاضي في "التقريب" أنه لا يحتج بمثل ذلك إلا إنْ أضافه لعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أسنده للإجماع صريحًا؛ فإن هذا ليس فيه تصريح بكل الأُمة، وكأن الأولين اكتفوا بظهور ذلك في الاتفاق؛ لأنَّ "الناس" ظاهرُه العموم بالألف واللام، و"كانوا لا يقطعون" أيْ: مَن لهم التصرف في الشرع، وهُم أهل الإجماع.
ويظهر أثر ذلك فيما إذا كان القائل لذلك تابعيًّا، فإنْ قيَّده بعهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كالمرسل، وإنْ لم يقيد وقُلنا: إنه كالإجماع، فكأنه حاكٍ للإجماع.
وقد ذكر المسألة في "المستصفى" إلا أنه خبر واحد واختلف في ثبوت الإجماع به، ومختار الغزالي أنه لا يَثْبُت، وهو قول الأكثر، واختار الرازي ثبوته، وجزم به الماوردي، قال: وليس آكد مِن السُّنة، وهِي تَثبت به.
وقد سبقت المسألة أول هذا الباب.
ومما يشبه ذلك حديث الغيرة بن شعبة: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرعون بابه
---------------
(¬١) مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل (١/ ٦٠٧)، الناشر: دار ابن حزم.

الصفحة 697