الظاهر، ونصره أيضًا الوليد بن بكر الغَمري -بالمعجمة أيضًا- وبه قطع ابن الصباغ، وحكاه القاضي عياض عن كثير.
وأجازه أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي، قال: حتى لو قال: "هذه روايتي لكن لا تَرْوِها عني ولا أُجيزه لك"، لم يضره ذلك.
قال القاضي عياض: (وما قاله صحيح، لا يقتضى النظر سواه؛ لأنَّ منعه -لا لِعِلة ولا لريبة- لا يؤثر؛ فهو مِن الذي لا يُرجَع فيه) (¬١).
ورَدَّ ذلك ابن الصلاح بأنه كالشاهد يسمع مَن يذكر شيئًا في غير مجلس الحكم ليس له أنْ يشهد على شهادته إذا لم يأذن له. قال: (وذلك مما تساوت فيه الرواية والشهادة). انتهى
لكن القاضي عياض قد تعرَّض للجواب عن هذا بأنَّ الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإشهاد أو الإذن في كل حال سوى ما لو سمعه أدَّى عند الحاكم فإنَّ فيه اختلافًا، وأما الرواية فليس فيها ذلك؛ فإنَّ الحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذنٍ باتفاق؛ فافترقَا.
وقد يخدش هذا الجواب: بأنَّ الحديث عن السماع والقراءة وِزان سماعه عند القاضي يؤدي أو نحو ذلك؛ لأنه لا يحتمل شيئًا آخر، بخلاف ما لو سمع شخصًا يقول: (أنا شاهد على فلان بكذا)، فلا فرق بينهما في ذلك حينئذٍ.
واعْلَم أنَّ هذا كله في جواز الرواية، أما العمل بما أخبره به الشيخ أنه سماعه أو مَرْوِيُّه فإنه يجب عليه إذا صح إسناده كما جزم به ابن الصلاح، وحكاه عياض عن محققي أصحاب الأصول أنهم لا يختلفون فيه.
---------------
(¬١) عبارة القاضي عياض في (الإلماع، ص ١١٠): (وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ، لَا يَقْتَضِي النَّظَرُ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ أَلَّا يُحدِّثَ بِمَا حَدَّثَهُ -لَا لِعِلَّةٍ وَلَا رِيبَةٍ فِي الحَدِيثِ- لَا تُؤَثِّرُ، لِأَنَّهُ قَدْ حَدَّثَهُ، فَهُوَ شَيْءٌ لَا يُرْجَعُ فِيهِ).