كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية (اسم الجزء: 2)

في الله تعالى، وهذا بناء على أن أسماءه تعالى صفات لا أعلام. أما إذا قلنا: أعلام، فالعَلَم ليس حقيقة ولا مجازًا. وما يقال: "قد قال بنو حنيفة: رحمان اليمامة، ولا زلت رحمانًا في مسيلمة" فقد أجاب الزمخشري بأن ذلك من تَعنّتهم في كفرهم. وهو غير مفيد؛ لأن التعنت سبب في الإطلاق، ومتى ثَبتَ الإطلاق، قام الدليل. وإنَّما الجواب السديد أنهم لم يستعملوا "الرحمن" بالألف واللام والكلام فيه) (¬١).
ثم قال: (وعند هذا أقول: مذهبي أن المجاز يستلزم استعمال اللفظ المشتق منه بطريق الحقيقة، سواء استُعمل مع ذلك بالحقيقة فيما استعمل بالمجاز أم لا. فأقول مثلًا: إنما استعمل "رحمن" إذا استعملت العرب الرحمة، ثم إذا استعملت الرحمة، كان لنا أن نتصرف فيما يُشتق منها مِن فَعْلان وفاعل ومَفْعُول وغير ذلك وإنْ لم تنطق به العرب البتَّة، ولا أَشترِط أن تكون العرب استعملت "رحمن" - الذي هو فَعْلان - بالحقيقة).
ثم قال: (إن بهذا يَخْلُصُ ابن الحاجب مِن الاعتراض عليه في استدلاله بأنَّ هذا مشترك الإلزام في الوضع بعين ما ذكره، لا مَخْلَصَ له غيره) (¬٢). انتهى ملخصًا.
قلت: وفيما قاله نَظر مِن وجوه:
الأول: أن قوله: (إن صفات الله تعالى لا تَقبل القِلة والكثرة) إنما ذاك في صفات الذات؛ لأنها قديمة، أما صفات الأفعال - على القول الراجح وهو قول الأشاعرة بحدوثها - فتَقبل باعتبار متعلقها.
ثانيها: أنَّ هذه المسألة عَيْن مسألة الإمام أن المجاز لا يدخل في المشتقات بالذات بل بطريق التبع للمصدر، ثم هذا إنما هو إذا قُلنا: المجاز في "رحمان" باعتبار المبالغة في "فَعْلان".
---------------
(¬١) رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٨٤).
(¬٢) رفع الحاجب (١/ ٣٨٥).

الصفحة 852