كتاب صيد الخاطر

لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] . وقال تعالى: {فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} [يوسف: 47] . وقد ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم بين درعين، وشاور طبيبين، ولما خرج إلى الطائف، لم يقدر على دخول مكة، حتى بعث إلى المطعم بن عدي، فقال: "أدخل في جوارك"، وقد كان يمكنه أن يدخل متوكلًا بلا سبب.
264- فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة، ولهذا أرى أن التداوي مندوب إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي1 إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا: فإن الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أنزل الله داءً، إلا وأنزل له دواء، فتداووا"2، ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا، أو ندبًا، [إن] 3 لم يسبقه حظر، [فإن سبقه حظر] 4 فيقال: هو أمر إباحة5. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينعت له6، وقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كل من هذا، فإنه أوفق لك من هذا"7.
265- ومن ذهب إلى أن تركه أفضل، احتج بقوله عليه الصلاة والسلام: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بلا حساب"، ثم وصفهم فقال: "لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكولون"8. وهذا لا ينافي التداوي؛ لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا، ويسترقون لئلا تصيبهم نكبة، وقد كوى عليه الصلاة والسلم أسعد بن زرارة9، ورخص في الرقية في الحديث الصحيح10، فعلمنا أن المراد ما أشرنا إليه.
__________
1 أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
2 رواه البخاري "6578" عن ابن مسعود رضي الله عنه.
3 في الأصل: ولم.
4 زيادة ليستقيم بها الكلام.
5 إن الأمر بعد النهي يفيد الإباحة، ومثاله قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وقوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" نسخ النهي، فرجع الحكم إلى الإباحة.
6 رواه أحمد "6716"، وأبو نعيم "2/ 49"، والحاكم "4/ 11".
7 رواه أبوداود "3856"، والترمذي "2038"، وابن ماجه "3442" عن أم المنذر الأنصارية رضي الله عنها.
8 رواه البخاري "5752"، ومسلم "220" عن ابن عباس رضي الله عنه.
9 رواه الترمذي "2050"، وابن ماجه "3492"، وأحمد "4/ 65"، و "5/ 3678". قلت: وقد وقع في الأصل سعد بن زرارة. وهو خطأ.
10 رواه البخاري "5741"، ومسلم "2193" عن عائشة رضي الله عنها، انظر: زاد المعاد "3/ 63".

الصفحة 102