فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم، ولا يدري ما المراد به، وكأنه به وقد وقع في بادية جزر1، وقفر مهلك في تلك البراري.
877- وكذلك المتزهد إذا خالط وخلط؛ فإنه يخرج إلى الرياء والتصنع والنفاق، فيفوته الحظان، لا الدنيا ونعيمها تحصل له، ولا الآخرة، فنسأل الله -عز وجل- خلوة حلوة، وعزلة عن الشر لذيذة، يستصلحنا فيها لمناجاته، ويلهم كلا منا طلب نجاته، إنه قريب مجيب.
__________
1 الجزر: القاحلة.
189- فصل: الاستعداد للموت
878- ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت، وهو لا يستعد للقائه! وأشد الناس بلهًا وتغفيلًا من قد عبر الستين، وقارب السبعين -فإن ما بينهما هو معترك المنايا، ومن نازل المعترك، استعد- وهو مع ذلك غافل عن الاستعداد.
قال الشباب: لعلنا في شيبنَا ... ندع الذنوبَ، فما يَقُوْلُ الأَشْيَبُ؟
والله، إن الضحك من الشيخ ما له معنى، وإن المزاح منه بارد المعنى، وإن تعرضه بالدنيا -وقد دفعته عنها- يضعف القوى، ويضعف الرأي. وهل بقي لابن ستين منزل؟!
879- فإن طمع في السبعين؛ فإنما يرتقي إليها بعناء شديد: إن قام، دفع الأرض، وإن مشى، لهث، وإن قعد، تنفس، ويرى شهوات الدنيا، ولا يقدر على تناولها، فإن أكل، كد المعدة، وصعب الهضم، وإن وطئ، آذى المرأة، ووقع دنفًا1، لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة طويلة، فهو يعيش عيش الأسير.
880- فإن طمع في الثمانين، فهو يزحف إليها زحف الصغير.
وعشر الثمانين من خاضها ... فإن الملمات فيها فنون
__________
1 الدنف: الذي أثقله المرض.