كتاب رياض الصالحين ط الرسالة

فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلامَ في قَلْبي أَتيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَقُلْتُ: ابْسُطْ يمينَكَ فَلأُبَايعْكَ، فَبَسَطَ يمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: "مالك يَا عَمْرُو؟ "قلتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرطَ قالَ:"تَشْتَرطُ بماذَا؟ "قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلمْتَ أَنَّ الإِسْلام يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبلَهُ، وَأَن الهجرَةَ تَهدمُ مَا كَانَ قبلَها، وأَنَّ الحَجَّ يَهدِمُ مَا كانَ قبلَهُ؟ "وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ رَسُولِ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَلا أَجَلّ في عَيني مِنْه، ومَا كُنتُ أُطِيقُ أَن أَملأَ عَيني مِنه إِجلالاً لَهُ، ولو سُئِلتُ أَن أَصِفَهُ مَا أَطَقتُ، لأَنِّي لَمْ أَكن أَملأ عَيني مِنه ولو مُتُّ عَلَى تِلكَ الحَال لَرَجَوتُ أَن أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وُلِّينَا أَشيَاءَ مَا أَدري مَا حَالي فِيهَا؟ فَإِذا أَنا مُتُّ فلا تصحَبنِّي نَائِحَةٌ وَلاَ نَارٌ، فَإذا دَفَنتموني، فشُنُّوا عليَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حولَ قَبري قَدْرَ مَا تُنَحَرُ جَزورٌ، وَيقْسَمُ لحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِس بكُمْ، وأنظُرَ مَا أُراجِعُ بِهِ رسُلَ رَبّي. رواه مسلم.
قَوْله:"شُنُّوا"رُويَ بالشّين المعجمة وبالمهملةِ، أَي: صبُّوهُ قَليلاً قَليلاً. واللَّه سبحانه أَعلم.
96- باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء لَهُ وطلب الدعاء مِنْهُ
قَالَ الله تَعَالَى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة:132-133] .
وأما الأحاديث فمنها:
1/712- فمنها حَديثُ زيدِ بنِ أَرْقَمَ رضي اللَّه عنه الَّذِي سبق في بَابِ إِكرامِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: قامَ رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنى عَلَيهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، أَلا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنا بشرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فأُجيب، وأَنَا تَاركٌ فيكُمْ ثَقَليْنِ: أَوَّلهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، فيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكتاب اللَّه، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ" فَحَثَّ عَلى كِتَابِ اللَّه، ورَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ:"وَأَهْلُ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّه في أَهْلِ بَيْتي"رواه مسلم. وَقَدْ سَبَقَ بطُولِهِ.
2/713- وعن أَبي سُليْمَانَ مَالك بن الحُويْرثِ رضي اللَّه عنه قَالَ: أَتَيْنَا رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَنحْنُ شَبَبةٌ متَقَاربُونَ، فَأَقمْنَا عِنْدَهُ عشْرينَ لَيْلَةً، وكانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَحِيماً رفِيقاً، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا. فسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: "ارْجعُوا إِلى أَهْليكم فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعلِّموهُم وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا

الصفحة 239