والشهداء في مراتبهم , والصالحون في أحوالهم , ليأخذ العالي والداني والمتوسط من سيرته قسطاً وحظّاً , والنكاح من أعظم حظوظ النفس وأبلغ الشهوات , فلهذا أمره الله تعالى بالنكاح وأوجبه عليه لما جبل عليه النفوس وطبعها عليه , ليتحصَّنُوا به من السِّفاح , ولما كان المقصود من النكاح التناسل قال - صلى الله عليه وسلم -: «تناكحوا تكثروا فإنّي مُكاثر بكم الأمم (¬1)» (¬2) واجتمع عنده في وقت تسع نسوة وكان يطوف عليهن في الليلة الواحدة (¬3) هذا مع توفّره على العبادة التي حَيّرت الخلق , فإنه كان يصلي حتى تورّم (¬4) قدماه ويقوم [ق 55/و] الليلَ كلّه بالآية يردّدها يناجي بها ربَّه سبحانه: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ويواصل في الصوم الأيام والليالي ويقول: «وأيّكم مثلي إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني» (¬5) على أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (¬6) فكان يبالغ في الصيام حتى يواصل فيه ومع ذلك فهذا شأنه في القوة على الجماع كما أشرنا (¬7) إليه , ولما
¬_________
(¬1) في هامش أ "وروى ابن الجوزي بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فضلت على الناس بأربع بالسخاء والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش» وسيأتي في موضعه".
(¬2) أخرجه أبو داود (2/ 220) , كتاب النكاح , باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء , ح 2050 , والحاكم (2/ 176) , كتاب النكاح , ح 2685 , من طريق معقل بن يسار , بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فأني مكاثر بكم الأمم» , قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة" , وأخرجه ابن حبان في صحيحه (9/ 328) , كتاب النكاح , ح 4028 , من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - , قال الألباني في آداب الزفاف في السنة المطهرة ص 60 , 1409 , المكتب الإسلامي , بيروت: "حديث صحيح".
(¬3) تقدم تخريج الأحاديث الواردة فيه , انظر: ص 484.
(¬4) في أ "ترم".
(¬5) أخرجه مسلم (2/ 774) , في كتاب الصيام , باب النهي عن الوصال في الصوم , ح 1103 , من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(¬6) أخرجه البخاري (7/ 3) , في كتاب النكاح , باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... » , ح 5065 , من طريق عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - , بلفظ: «ومن لم يستطع» بالواو.
(¬7) في ب "أشرت".