كتاب النقض على المريسي ت الشوامي
وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى العُلَمَاءِ نَشْرُهُ وَإِذَاعَتُهُ فِي أَيْدِي الصِّبْيَانِ، فَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَ المُعَارِضِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُهُ مَرَّةً ثُمَّ يُثْبِتُهُ أُخْرَى، فَيُفَسِّرُهُ تَفْسِيرًا أَنْكَرَ مِنَ الحَدِيثِ؟ وَالله أَعْلَمُ بِهَذَا الحَدِيثِ وَبِعِلَّتِهِ، غَيْرَ أَنِّي اسْتَنْكَرْتُهُ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ؟» (¬1).
وَيُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الفِرْيَةَ، وَتَلَتْ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]» (¬2).
فَهَذَا هُوَ الوَجْهُ عِنْدَنَا فِيهِ، وَالتَّأْوِيلُ، وَالله أَعْلَمُ، لَا مَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ: أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، كَقَوْلِ النَّاسِ: أَتَيْنَاكَ رَبَّنَا شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِتَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا.
وَهَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ لَا يُشْبِهُ مَا شَبَّهْتَ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِكَ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُهُ شَابًّا جَعْدًا فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ»، وَيَقُولُ أُولَئِكَ: أَتَيْنَاكَ شُعْثًا غُبْرًا، أَيْ قَصَدْنَا إِلَيْكَ نَرْجُو عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، وَلَمْ يَقُولُوا: أَتَيْنَاكَ فَرَأَيْنَاكَ شَابًّا جَعْدًا فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ لِتَغْفِرَ لَنَا، هَؤُلَاءِ قَصَدُوا قَصْدَ الثَّوَاب وَالمَغْفِرَة، وَلَمْ يَصِفُوا الَّذِي
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم (178)، وغيره من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -.
(¬2) متفق عليه وسيأتي مسندًا برقم (183).
الصفحة 282