كتاب تفسير العثيمين: الروم
لفْظِ الآيَةِ عَلَى غيْرِ مثَالٍ سابِقٍ؛ وَهذا قال المُفَسِّر رَحَمَهُ اللَّهُ: [{فِطْرَتَ اللَّهِ} خِلْقَتَه {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، وَهِي دِينُه، أيْ: الزَمُوهَا]. المُراد بالفِطْرة هُنا توْحِيدُ الله ودِينُ الله، وهذِه الآيَةُ شاهِدٌ للحدِيثِ الصَّحيحِ: "كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَىِ الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (¬١). لو أنَّ المخلُوقَ تُرِكَ وفِطْرَتَه مَا عبَدَ إِلَّا الله؛ ولِهَذا البهائِمُ العجمُ الَّتي ليْسَ لها مَا يُغرِيها أو يُصَرِّفُها: هلْ يُمكِن أنْ تعبُدَ اللاتَ والعُزَّى والشَّمْس والقَمر؟
الجوابُ: لَا؛ لأَنَّ الله تَعالَى يقُولُ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإِسْراء: ٤٤]، فأصْلُ الخلْقِ مفْطُورٌ عَلَى توْحِيدِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ: الخالِق، لكِنْ مَن أُعْطُوا العقولَ هُم الَّذِين رُبَّما ينْحَرِفُونَ لأَنَّ لهم إِرادَاتٍ واتِّجاهاتٍ بخلافِ مَنْ ليْسَ لَهُ إِلا العقْلُ المعِيشيُّ، فإِنَّهُ لا ينْصَرِفُ عَن هَذِهِ الفِطرَةِ، وَلِهَذا البهائِمُ العُجْم - كَما قُلتُ - تعرِفُ خالِقَها وفاطِرَها ولَا تُسبِّحُ إِلا الله.
قالَ المُفَسِّر رَحَمَهُ اللَّهُ: [{لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لدِينِهِ، أيْ لَا تُبَدِّلُوهُ بِأَنْ تُشْرِكُوا].
وقوْله تَعالَى: {لَا تَبْدِيلَ} نفْيٌ؛ لأَنَّ {لَا} نافِيةٌ للجِنْس، فهَلْ هُو باقٍ عَلَى كونِه نفْيًا، يعْنِي لفْظًا ومعْنًى، أوْ أنَّه نفْيٌ لفظًا، خبَرٌ معْنًى؟ المُفَسِّر رَحَمَهُ اَللهُ مشَى عَلَى الأَخِير، وأَنَّه نفْيٌ بمَعْنى النَّهيِ، أيْ: لَا تُبدِّلُوا هَذِهِ الفطْرَةَ بالإْشراكِ، والنَّفْيُ يأْتِي بمعْنَى النَّهيِ كثِيرًا، مثْلُ قوْلِه تَعالَى: {الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ} [البقرة: ١ - ٢]، فِيها تفْسِيرانِ كَما تقدَّم أحدُهُما أنَّها بمَعْنى النَّفيِ، أيْ: ليْسَ فِيه ريبٌ ولا شَكٌّ، والثّانِي بمعْنَى النَّهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوْله تَعالَى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الحج: ٧]،
---------------
(¬١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم (١٣٨٥).
الصفحة 178