كتاب تفسير العثيمين: الروم
الجوابُ: يخشع فِي أمور داخل الصَّلاة يعني يستحضر مَا يقول فِي صلاته وما يفعل فِي صلاته، فمثلًا لا يذهب يتذكر جلسة كَانَ خاشعًا فِيهَا فيما سبق.
لو قِيلَ: المصلي قد يتذكر القبور والجنة والنار، فهل يصح؟
الجواب: لا يصح إِلا إِذَا مرَّتْ بِهِ أثناء قراءته.
قوْله تَعالَى: {فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} المهد والتَّمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم هَذَا طريق مُمَهَّدٌ يعني موطأ مُحَسَّن لأجل أن تطأه الأقدام فمعنى {يَمْهَدُونَ} أي يحسنون الشيْءَ حتَّى يَكُون موطئًا لَهُم، وَذَلِكَ لأَنَّ الذِّين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصَّالِح إِلَى دخول الجنَّةَ فيسهل لَهُم الطَّرِيقِ الَّذي يوصلهم إليها.
وقوْله تَعالَى: {فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} تقديم المعمول يفيد الحَصْرَ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هل هَذَا ينافي مَا ثبت فِيهِ الحديث من أن "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الإسْلامِ فلَهُ أَجْرُها وأجْرُ مَنِ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم القِيَامَةِ" (¬١)؟
قُلْنَا: لا ينافيه؛ لأَنَّ الَّذِين يسنونَ الحسناتِ عملوا فتُوبِعُوا عَلَى ذَلِك، فالأجر الّذي حصل لَهُم من أجل اتباع غيرهم لَهُم هُوَ فِي الحقيقة من فعلهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: الجمعُ بَيْنَ التَّرغيب والتَّرهيب، فالتّرهيب في قوْله تَعالَى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} والتَّرغيب فِي قوْله تَعالَى: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن شؤم الكافر لا يتعداه إِلَى غيره؛ لقوْلِه تَعالَى: {مَن كَفَرَ
---------------
(¬١) أخرجه مسلم: كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، رقم (١٠١٧).
الصفحة 276