كتاب تفسير العثيمين: القصص

قَالَ المُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: [{قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ}: الأمم، {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} لِلْمَالِ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ].
قوله: {مَنْ} مفعولُ {أَهْلَكَ}، أي: الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، أي: مِن قارون، قوله: {قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} للمال {أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً} فِي بَدَنِهِ، وَأَمَّا المَالُ فقال: {وَأَكْثَرُ جَمْعًا} أي: أكثرُ مجموعًا للمال، أو: أكثر تحصيلًا له، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كلام المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ.
قوله: {جَمْعًا} أي: تحصيلًا، وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا: أكثر جَمْعًا، أَوْ مجموعًا، كَانَ أَوْلَى؛ لأن المجموعَ نتيجة للقوة التي يُحصل بها المَرْءُ المالَ.
قَالَ المُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: [أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ]، فأفادنا بأن الاستفهامَ هنا للتقرير، أي: إِنَّ قارونَ قَدْ عَلِمَ، ولكنه تجاهَلَ الأمرَ، قَالَ المُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: [فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ].
قَوْلُه تعالى: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} أي: ولا يَسألهم عن ذنوبهم، لا يسألهم سؤالَ استخبار، وإنما يسألهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ سؤالَ تَبْكيت، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى يَسْأَلُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ ذُنوبهم، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: ٦]، وَقَالَ تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
إذن نقول: النفيُ لحالٍ، والإثباتُ لحالٍ، يعني: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف تجمعون بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}، وأمثالها مِثل: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: ٣٩]، وبين الآيَاتِ الَّتِي تُثبت السؤال مِثْل قَوْلِهِ تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: ٦]، وقوله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؟

الصفحة 355