كتاب تفسير العثيمين: النور

ننظر الآن توجيه القراءتين: {يُسَبِّحُ} و"يُسَبَّحُ".
إذا كَانَ الفِعْل مبنيًّا للفاعل يَكُون قَوْلهُ: {رِجَالٌ} وفاعل {يُسَبِّحُ}. وعلى قِراءَة "يُسَبَّحُ" يَكُون الفِعْل مبنيًّا للمفعول يحتاج إلى نائب فاعل، ولا يصِح أن يَكُون {رِجَالٌ} نائب فاعل؛ لأَنَّه لو كَانَ نائب فاعل لكان الَّذينَ يُسبَّحون الرِّجَال وهَذَا شَيْء غير ممكن، إذن أين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل الجارّ والمَجْرور في قَوْلهُ: "يُسَبَّحُ لَهُ"، وإذا لم يوجد المفعول في الفِعْل المبني للمجهول ناب عنه الظرف والجارّ والمَجْرور؛ مثلما لو قلت: ضُرِب الضربُ، وما أشبه ذَلِك؛ فإنَّ المصدر ينوب عن المفعول به، قَالَ ابن مالك رَحَمَهُ اللَّهُ (¬١):
وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنَيِابَةٍ حَرى
في الآيَة "يُسَبَّحُ لَهُ" إذا قُلنا: {لَهُ} يَكُون حرف الجر هو نائب الفاعل. يبقى الإِشْكال في {رِجَالٌ} وعلى قِراءَة "يُسَبَّحُ". نقول: {رِجَالٌ} فاعل لفعل محذوف، هَذَا الفِعْل المحذوف أوجبه كَلِمة "يُسَبَّحُ" كأنه قِيلَ: من يُسبِّح له؛ فقِيلَ: {رِجَالٌ} وعلى هَذَا فتكون {رِجَالٌ} فاعلًا لفعل محذوف دل علَيْه الفِعْل المذكور.
إذن {يُسَبِّحُ} فيها قراءتان سبْعيَّتان؛ فتح الباء وكسرها، وتبيَّن الآن توجيه كل من القراءتين.
قَوْلهُ: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} قَالَ المُفَسِّر رَحَمَهُ اللَّهُ: [شِرَاء {وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ}؛ حُذِفَ هَاءُ إقَامَة تَخْفِيفًا {وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ} تَضْطَرِب
---------------
(¬١) البيت رقم (٢٥٠) من الألفية.

الصفحة 256