كتاب فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4 (اسم الجزء: 3)
بِحُسْبَانٍ} [الرحمن:٥]، وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس:٥]، وَقَالَ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:١٨٩]، وَمِنْ هُنَا صَارَ بَعْضُ الْعَامَّةِ إذَا رَأَى الْمُنَجِّمَ قَدْ أَصَابَ فِي خَبَرِهِ عَنْ الْكُسُوفِ الْمُسْتَقْبَلِ يَظُنُّ أَنَّ خَبَرَهُ عَنْ الْحَوَادِثِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ؛ إذْ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ إخْبَارِهِ بِأَنَّ الْهِلَالَ يَطْلُعُ: إمَّا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ؛ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ أَجْرَى اللهُ بِهِ الْعَادَةَ لَا يُخْرَمُ أَبَدًا، وَبِمَنْزِلَةِ خَبَرِهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ آخِرَ النَّهَارِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَمَنْ عَرَفَ مَنْزِلَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَجَارِيَهُمَا عَلِمَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِلْمًا قَلِيلَ الْمَنْفَعَةِ، فَإِذَا كَانَ الْكُسُوفُ لَهُ أَجَلٌ مُسَمًّى لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَجَلِهِ يَجْعَلُهُ اللهُ سَبَبًا لِمَا يَقْضِيهِ مِنْ عَذَابٍ وَغَيْرِهِ لِمَنْ يُعَذِّبُ اللهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُنْزِلُ اللهُ بِهِ ذَلِكَ. اهـ
وقال -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٥٩): وَفِي رِوَايَةٍ فِي «الصَّحِيحِ»: «وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمَا سَبَبٌ لِنُزُولِ عَذَابٍ بِالنَّاسِ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا يُخَوِّفُ عِبَادَهُ بِمَا يَخَافُونَهُ إذَا عَصَوْهُ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وَإِنَّمَا يَخَافُ النَّاسُ مِمَّا يَضُرُّهُمْ فَلَوْلَا إمْكَانُ حُصُولِ الضَّرَرِ بِالنَّاسِ عِنْدَ الْخُسُوفِ؛ مَا كَانَ ذَلِكَ تَخْوِيفًا، قَالَ تَعَالَى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء:٥٩]، وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا يُزِيلُ الْخَوْفَ، أَمَرَ بِالصَّلَاةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ؛ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِالنَّاسِ، وَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْكُسُوفِ صَلَاةً طَوِيلَةً. اهـ
الصفحة 330