كتاب فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4 (اسم الجزء: 6)
الْآكِلُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ؛ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ، فَإِذَا ضَمَّنَ الْغَاصِبَ؛ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْآكِلَ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْآكِلُ بِالْغَصْبِ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ لَهُ: كُلْهُ؛ فَإِنَّهُ طَعَامِي. اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الضَّمَانَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْآكِلَ شَيْءٌ. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْآكِلَ، وَأَطْعَمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ: يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ وَكُلُّ مَا غَرِمَ عَلَى الْغَاصِبِ. وَأَيُّهُمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَغَرِمَهُ؛ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ فَإِنْ غَرِمَهُ صَاحِبُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ. اهـ
قلتُ: والصحيح أنه لا يغرم في الصورتين؛ إلا إذا علم بأنه مغصوب، والله أعلم.
تلخيص ابن القيم -رحمه الله- للمسائل السابقة واختياره:
قال -رحمه الله- في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٣١ - ٣٣٣): وَ لَوْ قَبَضَ مَغْصُوبًا مِنْ غَاصِبٍ بِبَيْعٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ، أَوْ اتِّهَابٍ، أَوْ إجَارَةٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالِكٌ لِذَلِكَ، أَوْ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي، وَكَانَ عَالِمًا بِالْغَصْبِ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ
الصفحة 440